إذًا مرده إلى المشيئة، كل وصف عُلِّقَ بـ إذا فهو تابع لمشيئة الباري جل وعلا فهو صفة فعلية، ( «إذا قضى الله الأمر» ) ، إذًا المراد إذا تكلم الله بالأمر الذي شاء كونه، يعني إيجاده، وذلك بوحيه إلى جبريل به كما صرح به في الحديث الآتي، وكما روى أبو داود وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلةً كجر السلسلة على الصفوان. قوله: ( «ضربت الملائكة بأجنحتها خَضعانًا لقوله» ) أي لقول الله تعالى، الضمير هنا ( «لقوله» ) ، أي لقول الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: خَضعانًا بالفتحتين من الخضوع، وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه خُضْعَانًا، خَضَعانًا خُضْعانًا، وهو مصدر بمعنى خاضعين، إذًا ( «ضربت الملائكة بأجنحتها» ) يعني حركت، الضرب بمعنى التحريك هنا، ( «بأجنحتها خضعانًا لقوله» ) أي لقول الله تعالى، فالملائكة تخضع، فإذا كان كذلك حينئذٍ تكون من عباد الله تعالى، وذلك أن الله إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه أُرْعِدوا وخافوا وفزعوا هيبةً، وَخَضَعانًا لقوله تبارك وتعالى مع أنهم عباد مكرمون، أعطاهم الله من القوة والعظمة ما لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وهم معصومون من الوقوع في الزلل والمعاصي، إذًا لا يخافون نارًا هذا الأصل فيه، لكن من تعظيم الباري جل وعلا حصل لهم ما حصل، ومع ذلك يعتريهم هذا الخوف والاضطراب، فعبادتهم من دون الله باطلة، هذا الذي أراده المصنف هنا رحمه الله تعالى، وإذا كان هذا الحال معهم فبطلان عبادة غيرهم بطريق أولى. قال: ( «كأنه سلسلة على صفوان» ) . ( «كأنه» ) الضمير هنا يعود إلى الصوت، والصوت صفة مسموعة أو عرض مسموع، لكن الأول أولى صفة مسموعة، أي كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان وهو الحجر الأملس الصلب، والسلسلة عليه يكون لها صوت عظيم، الصلصلة هي صوت وقوع الحديد بعضه على بعض «كجر سلسلة على الصفا» . هكذا في بعض الروايات، جمع صَفَاتٍ ( «على صفوان» ) ، «على الصفا» . في رواية أخرى «على الصفا» جمع ماذا؟ جمع صَفَاتٍ وهي الصخرة والحجر الأملس. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وليس المراد تشبيه صوت الله تعالى بهذا. ليس المراد التشبيه، لأن صوت الله تعالى كأنه سلسلة وإلا جاء عندنا النص {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، وإنما المراد السمع بالسمع وليس المسموع بالمسموع، السمع بالسمع، هذا نثبت الصوت ليس فيه إنكار الصوت، يعني: هنا سمعت الملائكة صوتًا، هذا الصوت صوت الباري جل وعلا قطعًا، لكن هل هو مساوٍ لسلسلة أو جر سلسلة على الصفوان؟ لا، وإنما المراد ماذا؟ السمع كالسمع، كما أن السلسلة على الصخر لها صوت قوي يُسْمَع كذلك صوت الباري صوت قويٌّ يُسمع، فالتشبيه هنا السمع بالسمع، وليس المراد المسموع بالمسموع، لأن الباري جل وعلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، ولا يُفهم من ذلك أن فيه إنكارًا للصوت، بل الصوت ثابت، وهو محل إجماع عند السلف.