قال هنا: كما في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عائشة استشكلت هذا الأمر عن الكهان فيما سبق، قالت: قلت يا رسول الله إن الكهان كانوا يحدثون بالشيء فنجده حقًّا. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة الحقّ يخطفها الجنّي فيقذفها في أذن وليِّهِ» سماه وأضافه إليه «فيزيد فيها مائة كَذْبة» .
وفيه قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدةٍ ولا يعتبرون بمائة كَذْبة.
وفيه أن الشيء إذا كان فيه نوعٌ من الحقِّ لا يدل على أنه حقٌّ كله، ولا يدل على أنه يجوز الذهاب إليه من أجل ذلك الحقِّ، لا، لا يدل، بل لا يدل على إباحته كما في الكهانة والسحر والتنجيم. قال: ( «فيُصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» ) أي يستدلون على صدقه بها، والباء سببية بتلك الكلمة يعني بسبب تلك الكلمة، الباء سببية أي يُصَدِّقُ الساحر أو الكاهن أولياؤه من الإنس، الذين يذهبون إليه، بسبب تلك الكلمة، ويروج معها مائة كذبة.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الرد على المشركين، قبل ذلك فيه تفسير للآية السابقة وتأكيد على المعنى العظيم الذي عناه المصنف وهو ما يتعلق بعبادة الملائكة لأنه يستدل على بطلان عبادة ما سوى الملائكة ببطلان عبادة الملائكة، وهو أعظم وأكبر من عُبِدَ من دون الله.
إذًا مناسبة الحديث للباب ما ذكرنا وفيه الرد على المشركين، فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند سماع كلام الله تعالى مع ما أعطاهم الله من القوة عُلِمَ أنه لا يجوز صرفُ شيءٍ من العبادة لهم، فكيف بمن دونهم من بابٍ أولى وأحرى.
وهذا الباب والذي قبله من أجمل ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
ويستفاد من الحديث أيضًا الرد على المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين، لأن الإثبات عظمة الله تعالى، وأنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه.
ثالثًا: إثبات القول لله تعالى وأنه بحرفٍ وصوت. بصوت واضح لأن التشبيه هنا قلنا: المراد السمع بالسمع لأنه يُسمع، بحرفٍ لقوله: {قَالُوا} قال {الْحَقَّ} قال الله قول الحق، لأن القول يطلق بلسان العرب في هذا المقام مرادف للكلام.
رابعًا: إثبات علو الله تعالى على خلقه بجميع أنواع العُلُوّ.
خامسًا: إبطال السحر والكهانة وإن صدق الكاهن والساحر في بعض الأحيان لا يلتفت إليه البتة.
سادسًا: إثبات الأجنحة للملائكة، وسبق إثبات القلوب في الآية السابقة.
سابعًا: خوف الملائكة من الله تعالى وخضوعهم له.
ثامنًا: إثبات كلام الملائكة وأنهم يفهمون.
تاسعًا: تمكين الشياطين من الوصول إلى السماع فتنةً للناس، قد يوجد الباطل ويُمَكّن له من باب ماذا؟ ابتلاء الخلق، [وليس] ولا يستدل على تمكين ونشر الباطل أنه ماذا؟ أنه حقّ، لا يستدل بالكثرة على الحق البتة، إنما الكثرة في الشرع ورد ذمها أكثر ما وردت الكثرة في الشرع الذم.
عاشرًا: كثرة الشياطين. يركب بعضهم بعضًا إلى السماء. هذا يدل على ماذا؟ لأن عددهم كثيرة والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى الحديث الثاني: