[إذًا فيه] ولذلك قال: وهو صريح في أنها تسمع كلام الله تعالى، كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إذا قضى الله أمرًا تكلم تبارك وتعالى رجفت السماوات والأرض والجبال وخرت الملائكة كلهم سجدًا، يعني لله تعالى، ( «أو قال رعدة - شديدة» ) شكٌ من الراوي هل قال النبي ع ( «رجفة» ) ، ( «أو قال رعدة - شديدة» ) رَعْدَة بفتح الراء بمعنى الأول بمعنى الرجفة، أي متحدان في المعنى أو متقاربان، يعني تفسر بما مضى، الحركة والاضطراب، وهذا من شدة حرص السلف على ألفاظ الحديث، وإن كانت تجوز روايته بالمعنى بشروطها المعروفة في محلها. قوله: ( «خوفًا من الله عز وجل» ) ، ( «خوفًا» ) إيش إعرابه؟ مفعول [به] ؟! لأجله، نعم. أي لأجل الخوف من الله فهو علة ( «خوفًا من الله عز وجل» ) هذا ظاهرٌ في أن السماوات لها معرفةٌ وإحساس تسمع ( «خوفًا» ) . إذًا من الذي خاف أو ما الذي يخاف، ما الجواب؟ السماوات، هل يلزم من ذلك أن يكون لها قلب؟ لا، لا يلزم، أليس كذلك؟ قال هنا: ظاهرٌ في أن السماوات لها معرفةٌ وإحساسٌ تخاف من الله تعالى بما جعل فيها من الإحساس والمعرفة بمن خلقها. وقد أخبر الله بأن هذه المخلوقات تسبحه وتقدسه كما قال في الآية العامةِ {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] . هذا عام عمومٌ لا عموم بعده {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} . تفصيل {وَإِن مِّن شَيْءٍ} أعم من سابقه، يعني ليس السماوات والأرض ومن فيهم فحسب {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} فلا يلزم من ذلك التساوي بين ما يدركه العقل الإنسان من نظيره بأن يحمل ما ثبت للسماوات على ما ثبت للبشر، خوفًا من الله، لا يلزم أن يكون ثَمَّ قلبٌ، تسبح يعني تقول: ماذا؟ سبحان الله، يلزم من ذلك أن يكون لها فمٌ ولسان ومخارج؟ لا، لا يلزم. حينئذٍ القول بأنه لا بد لا يُفهم التسبيح إلا بذلك هذا قصورٌ في الفهم، وثبت سماع تسبيح الطعام وهو يُؤكل، ثبت ذلك كما في البخاري من حديث ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه. قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
وتسبيح الحصى كما في حديث أبي ذر أن النبي ع أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيحًا كحنين النحل.
وقصة حنين الجذع هذه معروفة كذلك، وهذه المخلوقات تسبح حقيقةً لا بلسان الحال، فمن حملها على لسان الحال قد أخطأ.
كذلك قوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا} [فصلت: 11] . {اِئْتِيَا} هذا قول الله تعالى بحرفٍ وصوت، وأمر مَنْ؟ أمر للسماوت والأرض {فَقَالَ لَهَا} ، {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} القول لفظٌ وصوتٌ وحرفٌ، {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} هذا المقول، قالت بذلك: إي والله قالت بذلك. نأول نحرف بلسان الحال؟ لا والله، لماذا؟ لأنه أخبرنا بذلك والأصل حمل اللفظ على حقيقته، ودعوى المجاز هنا ليست بظاهرة، بل هو فاسد الاعتبار {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90] .