ثُمَّ كذلك فيما قال سبحانه في حال الحجر {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} [البقرة: 74] . يخشى الله تعالى يهبط وتحرك، وهذا كثير في القرآن فيُحمل على ظاهره ولا يؤول بل تأويله يعتبر تحريف.
قال هنا: فإذا ( «فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا» ) . سمعوا ( «ذلك» ) المشار إليه ماذا؟ قول الله كلام الله تعالى، ماذا يحصل من أهل السماوات؟ ( «صعقوا وخروا لله سجدًا» ) أي يقع منهم الأمران، الصعق والسجود. الصعق وهو الغشي، والسجود لله.
قال في التيسير: والله أعلم أيهما قبل الآخر. فإن الواو لا تقتضي تركيبًا، وكذلك قال ابن القاسم في الحاشية: لا ندري أيهما قبل الآخر، لأنه قال: ( «صعقوا وخروا لله سجدًا» ) يحتمل أنه ماذا؟ خروا سجدًا، وصعقوا ويحتمل ماذا؟ ( «صعقوا وخروا لله سجدًا» ) يحتمل هذا وذاك، وذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى إلى أن الصعق هنا يكون قبل السجود، فإذا أفاقوا سجدوا، يعني رأى أنه على الترتيب.
وفيه إثبات عظمة الله تعالى، فإذا كانت السماوات على عظمتها وسعتها وما فيها من السكان ترجف ويصعق من فيها هيبةً لله وخوفًا منه فالالتجاء إلى غيره والتعلق عليه من أبطل الباطل، وأمحل المحال. إذ هو سبحانه بيده أزمة الأمور، وكل من سواه مخلوقٌ مربوب، لا يملك نفعًا ولا ضرًّا.
وفي الحديث «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك» . قوله: ( «فيكون أولَ» ) أولُ ... ( «فيكون أول من يرفع رأسه جبريل» ) . قال الشُّرَّاح: بفتح أول خبر يكون مقدمٌ على اسمها وهو جبريل، ويجوز العكس ( «فيكون أول من يرفع رأسه جبريل» ) الذي يحدد هذا من ذاك أيهما أولى؟ المعنى، يعني هل المراد الإخبار عن الأولية، أو الإخبار عن جبريل؟ هذا محتملٌ والله أعلم، هل المراد الإخبار عن الأولية أن أول من يرفع رأسه هو جبريل، أو الكلام عن جبريل؟ هذا محتمل، ولذلك جوزوا الوجهين، وإنما كان ( «أول من يرفع رأسه جبريل» ) لأنه سفير الله بين رسله، وأمينه على وحييه، قالوا: واسم جبريل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وإسرافيل عبد الرحمن، هكذا قيل، وكل شيءٍ راجع إلى (إيل) فهو مُعَبّدٌ لله عز وجل كما رواه ابن جرير، وأبو الشيخ الأصبهاني عن علي بن حسين وغيره.
وفيه دليل على فضيلة جبريل وقد وصفه الله بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [التكوير: 19] . {لَقَوْلُ رَسُولٍ} يعني تبليغ، {رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19، 21] . {ثَمَّ} هناك يعني ورآه رسول الله ع في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناحٍ منها قد سد الأفق، فإذا كان هذا عِظَمُ أحد المخلوقات فخالقها أعظم وأجل، إذا كان جبريل عليه السلام بهذا الحجم من المخلوقات، فالخالق جل وعلا أعظم وأجل، بل السماوات والأرض ومن فيهن في كف الرحمن جل وعلا كخردلةٍ في يد أحدنا، فكيف يُسَوَّى به غيره في العبادة.