فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 2014

حينئذٍ قد يدل الدليل الواحد على النوعين، وقد يقتصر على أحد النوعين بدليلٍ خاص، إما أن يشترك الدليل الواحد في إثبات النوعين، وإما أن يأتي دليل يُثبت واحدةً من النوعين دون الأخرى، ولذلك في قول المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] . هذه الشفاعة منفية، هذه حقيقة الشفاعة المنفية، إلا بإذنه في غير موضعٍ هذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال حينئذٍ يدل على إثبات الشفاعة وإلا لما كان للاستثناء منفعة. يعني قال: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] . إذًا {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} . لو لم يكن أن ثَمَّ شفاعةً مثبتة غير تلك المنفية لَمَا كان الاستثناء هنا له فائدة، لصار لغوًا والقرآن منزهٌ عن ذلك. إذًا الشفاعة على نوعين: دليل الاستقراء والتتبع، صورة هذا الدليل الاستقراء والتتبع نظرنا فإذا الشفاعة، إما مثبتة، وإما منفية. حينئذٍ انحصرت الشفاعة في هذين النوعين:

منفية: وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وهي الشفاعة الشركية، التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وهذه الشفاعة الشركية والتي اعترف بها أصحابها {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .

ومثبتة: من الإثبات وهو مقابل النفي، يعني جاء الشرع بتقريرها وهي حقٌّ لكنها مطلوبةٌ من الباري جل وعلا، وهي التي تطلب من الله - انتبه - تطلب من الله يعني لا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يتوجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بطلب الشفاعة، وإنما تطلب من الباري جل وعلا: اللهم شفع فيَّ نبيكَ، ولا يقال: يا محمد اشفع لي عند ربك. هذا لا يجوز وإنما يقال ماذا؟ اللهم إذًا يُتوجه إلى من إلى الباري جل وعلا، تطلب من الله مباشرةً، اللهم شَفِّعْ فيّ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. إذًا هي التي تطلب من الله ولا تكون هذه الشفاعة المثبتة إلا لأهل التوحيد والإخلاص، وهي مقيدة بشرطين أو بثلاثة سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.

والناس في الشفاعة عموم الناس على ثلاثة طوائف: طرفان، ووسط. يعني في إثباتها ونفيها طرفان ووسط، فطائفةٌ أنكروها مطلقًا كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب، يعني الخوارج في بعض أنواع الشفاعة ليس مطلقة.

وطائفةٌ أثبتوها وغلو في إثباتها حتى جوَّزوا طلبها من الأولياء والصالحين وهم المشركون قديمًا وحديثًا. إذًا متقابلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت