فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 2014

وقد بين الله تعالى في هذه الآيات التي ذكرها المصنف وفي غيرها أصل هذا الشرك والدافع إليه عند أولئك المشركين في الجاهلية بأن الذي تقرر في قلوبهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، الآلهة مهما كانت علوية أم سفلية تعقل أو لا تعقل، حينئذٍ وظيفة هذه الآلهة ما هي؟ وظيفتها الشفاعة لهم عند الله تعالى، فما أرادوا من جلب نفع أو دفع ضُرٍّ في الدنيا أو في الآخرة توجهوا إلى هذه المعبودات، والمعبودات تشفع لهم عند الله تعالى، فدين المشركين دائر على هذه العلة، ودائر على هذا المعنى، وبَيَّن الباري جل وعلا باعترافهم هذا في غير موضع.

إذًا تقرر في قلوب المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله تعالى برفع حوائجهم إليه، والشفاعة عنده، وهذا هو الشرك الأكبر بعينه، ليس ثَمَّ شرك إلا هذا، ولو قيل بأنه لم يقع شرك إلا هذا لما بَعُد، والصروف التي والأفراد تكون مخالفة لذلك فهو قليل أو نادر، والنادر لا حكم له، بل مدار الشرك قائم على هذه، فما عُبِدَ غير الله تعالى إلا بهذه الحجة، بأن يكون ماذا؟ بأن يكون شفيعًا عندهم جل وعلا في جلب النفع أو دفع الضر، وهذا باطل كما ذكرناه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} . هذه المصنف ذكرها في (( القواعد الأربع ) )، وفي (( كشف الشبهات ) )وليته ذكرها هنا لأنها تبين حقيقة دين هؤلاء المشركين.

قال الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله، يعني توجهوا، إذًا هم مشركون توجهوا بالعبادة لغير الله تعالى يتولونهم ويعبدونهم من دون الله، ولذلك سماهم ماذا؟ سماهم أولياء، جمع وَلِيّ، ولذلك يسمى المعبود الذي صُرِفَت إليه العبادة من مَلَكٍ وغيره يُسمَّى ماذا؟ يسمى وَلِيّ، وسيأتي {مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] ، قال هنا: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم، ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى قربةً ومنزلةً، وتشفعوا لنا عنده في حاجتنا، هذا معنًى واضح بين يبين لك المعنى الذي دل عليه هذا النص، وهو يكشف حقيقة المشركين، لأن هذا مما يتعين فهمه عند الموحد، لأننا قررنا مرارًا ونقرر بأنه لا يمكن فهم التوحيد على وجهه إلا إذا فهمت نقيضه وضده وهو الشرك بالله تعالى، لا لتعمل به وإنما من أجل أن تحذر، فالعلم علمان: علم من أجل العمل، وعلم من أجل الحذر. أو لا؟ علم من أجل العمل، وعلم من أجل الحذر، وهذا الثاني يدخل فيه العلم بالشركيات والبدع وكل ما خالف شرع الله تعالى، فيعلمه المسلم الموحد من أجل ماذا؟ من أجل أن لا يقع في شيء منه.

عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ... من لم يعرف الخير من الشر يقع فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت