إذًا الجواب قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيمٌ لله تعالى هذا باعتباره هو، هو الذي ظن أنه تعظيم وليس الأمر كذلك، فكم ممن يقصد التعظيم لشخصٍ ينقصه بتعظيمه، ولهذا قال في (( التيسير ) ): ولهذا قيل في المثل المشهور يضر الصديق الجاهل ولا يضر العدو العاقل، فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضمٌ لحق الربوبية، وتنقصٌ لعظمة الإلهية، وسوء ظنٍ برب العالمين.
إذًا حق الربوبية تَنَقَّصَهُ بما ظن أنه تعظيم، وكذلك حق الأُلوهية تنقصه بما ظن أنه تعظيم، فأي تعظيمٍ هذا؟ عاد على حق الربوبية فتَنَقَّصَهُ، وعاد على توحيد الإلوهية فتَنَقَّصَهُ. نقول: هذا ليس بتعظيمٍ، وكذلك هو سوء ظنٍ برب العالمين. ووجه ذلك كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن المتخذ للشفعاء والأنداد - العابد الذي اتخذ الشفاعة - أن المتخذ للشفعاء والأنداد إما - الظنون المتواردة عنده - إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزيرٍ أو ظهيرٍ أو عوين يحتاج إلى ماذا؟ إلى من يعينه كما هو الشأن في ملوك الأرض لا يمكن أن يستقل بنفسه لا بد من وزراء، أليس كذلك؟ لو أراد أن يبسط عرشه على مملكته ودولته نقول: هذا لا يستطيعه وحده لا بد من ماذا؟ لا بد له من ظهيرٍ ووزيرٍ وعوينٍ، إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزيرٍ أو ظهيرٍ أو عوين وهذا أعظم تنقصٍ لمن هو غنيٌ عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقيرٌ إليه بذاته، هذا لا يمكن أن يقال من جهة الباري وعلا.
قال رحمه الله تعالى: وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع، فلا يقدر أن يدخل أو يجلب نفعًا أو يدفع ضَرًّا لنقصٍ في قدرته حينئذٍ يحتاج إلى ماذا؟ إلى ما يتمم قدرته، الأول: طعنًا في الغنى لأنه يحتاج إلى وزيرٍ وظهيرٍ وعوين، وهذا طعنٌ في ماذا؟ في كمال قدرته جل وعلا حينئذٍ لا تتم قدرته إلا بهذا الشفيع، وهذا باطلٌ، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع. وإما هذا الثالث، وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يُعْلِمَهُ الشفيع هذا طعنٌ في علمه جل وعلا، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يُشْفَعَ عنده كما يُشْفَعُ عند المخلوق، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسأل الشفيع أن يرفع حجاتهم إليه كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق. إذًا هذه الظنون كلها ظنونٌ سيئةٌ برب العالمين جل وعلا، لأنه طعنٌ في صفاته، إما في كمال غناه، وإما في كمال علمه، وإما في كمال اطلاعه على خلقه، وإما في كمال رحمته .. إلى آخر ما يُذكر في هذا الموضع.
قال هنا: أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم حتى يرفع الشفيع إليه ذلك، أو يظن أن للشفيع عليه حقًّا فهو يقسم عليه بحقه ويتوسل إليه بذلك الشفيع كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا تمكنه مخالفته، وكل هذا تنقصٌ للربوبية وهضمٌ لحقِّها. ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.
إذًا مرده إلى ماذا؟ إلى سوء الظن برب العالمين، حينئذٍ يلزم من ذلك التنقص في صفةٍ من صفاته على ما مَرَّ.