فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 2014

وعليه نقول: (وقول الله تعالى) الأولى عدم جوازه من جهة المعنى، وإن جاز من جهة الصناعية، والأولى أن يقال: (وقولُ الله) بالرفع على أنه مبتدأ، والجملة التي هي ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ .. } ) قصد لفظها الآية فهي خبر، وإذا رفعت (قولُ الله) حينئذ ما بعده يجب رفعه، جاز لك في الأول وجهان، وفي الثاني يتعين إما الخفض إذا خفضت الأول، وإما الرفع إذا رفعت الأول، حينئذ تقول: (وقولُ الله تعالى) ، (وقولُهُ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} ) ، (وقولُهُ: {وَقَضَى رَبُّكَ} ) إذا رفعت، ونقول: الرفع هو الأرجح. إذًا الآية الأولى التي ذكرها المصنف هي آية سورة الذاريات ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ، (ما) نافية، (ما) حرف نفي، و ( {إِلَّا} ) إيجاب يعبر عنه بأنه استثناء، لأن إلا في الأصل هي للاستثناء، وقد تخرج عنه لغير الاستثناء، وهذا (ما) و ( {إِلَّا} ) يعني النفي وإلا من صيغ الحصر، بل هو أعلى درجات الحصر والقصر.

وأدوات القصر إلا إنما ... عطف وتقديم كما تقدما

وأعلى درجاته (ما) و (إلا) ولذلك جاء به أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هذا فيه قصر، فيه نفي وإثبات.

ففي هذه الآية قَصْر حكمة الخلق للجن والإنس على العبادة فقط، إذا قيل: بأن (ما) و (إلا) للقصر، والقصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن ما عداه، ما هو المذكور؟ الإنس والجن، وما ذكر معه؟ علة الخلق، إذًا ما خلق الإنس والجن لأي حال من الأحوال ولأي حكمة من الحكم إلا لحكمة واحدة وهي العبادة، إذًا ما عدا العبادة من اللهو واللعب ونحو ذلك فهو منفي إما بالمنطوق أو بالمفهوم على الخلاف عند الأصوليين، هل القصر هنا في النفي بالمنطوق أو بالمفهوم؟ إذًا هذا قصر وهو قصر حكمة الخلق للجن والإنس على العبادة فقط دون غيرها من الحكم، وهو نصٌّ واضح بَيِّن أن الله عز وجل ما خلق هذين الصنفين العلمين إلا لحكمة واحدة وهي عبادته جل وعلا.

وهذا كما سماه البعض منهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى استثناءً مفرغًا من أعم الأحوال، وتقديره حينئذ يكون بذكر لفظ الحال أو الشيء ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) لأي شيء من الأشياء، أو لأي حال من الأحوال، أو لأي من حكمة من الحكم إلا لحكمة واحدة وحال واحد وشيء واحد وهو العبادة. إذًا ما عدا العبادة منفيّ، والعبادة على جهة الخصوص هو المثبت، كما تقول: ما جاء إلا زيد، أثبتَّ ونفيت، ما إذا أثبتَّ؟

أثبتَّ المجيء لزيد، ونفيت عن غير زيد بأنه قد جاء، ففيه حصر للمجيء في زيد ونفي المجيء عن غير زيد كما نقول: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، فنفيت العبادة عما سوى الخالق جل وعلا، وأثبتها له وحده دون ما سواه، هذا يُسَمَّى ماذا؟ يُسمى بالقصر والحصر، وله أدوات، منها هو متفق عليه مجمع عليه، ومنها ما هو فيه نزاع. إذًا هذا الحصر يُسمى استثناءً مفرغًا من أعم الأحوال، أي ما خلقت الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة كما سيأتي إيضاح ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت