فأهل التوحيد والإخلاص هم أهل الشفاعة، هذا الأصل فيهم، هذا وصفٌ لهؤلاء الذين اتصفوا بهذا الوصف يأذن الباري جل وعلا، حينئذٍ الكثير في تفسير معنى الإذن هنا الإذن الكوني لكن لا يمنع أن يكون ثَمَّ إذنٌ شرعي فيجتمعان، والمراد بالإذن الكوني أنه لا يقع في الكون البتة، لأننا مر معنا وذكرنا فيما سبق أن الشفاعة بدون إذن هذه مستحيلة الوقوع، لن تقع بخلاف ماذا؟ الشرعية مثبتة فإنها تقع بإذنه جل وعلا، والإذن لا يكون إلا بعد الرضا، في هذه الآية ردٌّ على المشركين الذين اتخذوا شفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم - الباري جل وعلا - وبَيَّن سبحانه عظيم ملكوته وكبريائه، وأن أحدًا لا يتمكن أن يتكلم يوم القيامة لا إذا أُذِنَ له، كما قال تعالى: {لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ} [النبأ: 38] . إذًا لا يتكلم، وإذا كان كذلك فلن يشفع، هذه أعم أو الشفاعة، أيهما أعمّ؟ نفي الكلام أو نفي الشفاعة؟ الشفاعة كلامٌ خاص صحيح؟ كلامٌ خاص وهذا كلامٌ عام، إذًا: {لَّا يَتَكَلَّمُونَ} مطلقًا لا يقع منهم أي كلام {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ} . {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105] . إذًا لا كلام إلا بإذنٍ ومنه الشفاعة، وأن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] . جمع بين الشرطين الإذن والرضا {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} فبَيَّنَ تعالى أنها لا تقع إلا بشرطين:
إذن الرب للشافع أن يشفع.
ورضاه عن المأذون فيه.
وهو سبحانه لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه جل وعلا، فلا بد من الإخلاص، إذ ما خلق من أجل ذلك {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] . ولقيه العبد به مخلصًا غير مشرك، واشتراط الإذن هنا لكمال سلطان الله جل وعلا كما مر معنا فإنه كلما كَمُلَ سلطان الْمَلِك فإنه لا يتكلم أحدٌ عنده إلا بإذنه.
مناسبة الآيتين للباب: ( {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ) ، ( {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ) فيها الرد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين، يظنون أنهم يملكون من الشفاعة شيئًا فيستطيعون أن يشفعوا عند الله تعالى بغير إذنه، يُستفاد من الآيتين:
الأول: الرد على المشركين الذين يطلبون الشفاعة من المخلوقين مطلقًا، يعني إبطال حجة المشركين.
ثانيًا: أن الشفاعة مِلْكٌ لله وحده فيجب طلبها منه وحده، لأنه هو المالك لها، إذًا لا يطلب الشيء إلا من مالكه، وطلب الشيء من غير مالكه إِفكٌ وافتراءٌ عليه.
ثالثًا: بيان عظمة الله وكبريائه وخضوع جميع الخلق لسلطانه.
رابعًا: في الآية الثانية إثبات الشفاعة لمن أذن له تعالى.