فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 2014

إذًا يحتمل المعنى هنا إما هذا أو ذاك، فالحديث عمن يشفع مطلقًا سواءً كان أهلًا أو لا؟ ثم من كان أهلًا لا يشفع إلا لمن استحق الشفاعة، أو تكون الشفاعة منفية عن المتأهلين إلا إذا أذن الباري جل وعلا، والمعنى الثاني أقوى من حيث الثبوت، ويجوز أن يكون المعنى لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المتأهلين لها في حالٍ من الأحوال إلا كائنةٌ لمن أذن له، أي لأجله وفي شأنه من المستحقين للشفاعة لهم، لا من عداهم من غير المستحقين لها، واللام في قوله: {لِمَنْ} يجوز أن تتعلق في نفي الشفاعة. قال أبو البقاء كما تقول: شفعتُ له. يجوز شفعت له، ويجوز أن تتعلق بتنفع، والأولى أنها متعلقةٌ بالمحذوف {إِلَّا} كائنةٌ {لِمَنْ} ، {إِلَّا} كائنةً يجوز الوجهان لأن النفي الاستثنائي إذا جاء بعد منفي جاز فيه النصب والرفع على ما قبله. قيل: والمراد بقوله: {لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ} أنها لا توجد أصلًا، دائمًا يَمُرّ معك في كثير من الآيات {لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} [طه: 109] ، إذًا النفي هنا مسلط على وجود الشفاعة أو على صفة تتعلق بالشفاعة وهي النفع وعدمه؟ يحتمل، يحتمل أن المنفي الشفاعة من أصلها وجودها، ويحتمل ماذا؟ النفع، فما جاء فيه النفع فهو واضح لا بد من حمله على ظاهره، {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} إذًا مفهومه أن الشفاعة قد تنفع، لأنه نفى النفع مقيدًا، إذًا بدون القيد مع القيد حينئذٍ الشفاعة تنفع، إذًا يحتمل النص نفي الصفة الشفاعة، ويحتمل نفي الشفاعة أصلًا، فما جاء فيه النفي مسلطًا على النفع وجب أن يحمل على ذلك، وإذا جاء على الشفاعة حينئذٍ يحتمل الوجهين، قيل: والمراد بقوله: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} . ولذلك قال الشوكاني: قيل {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} أنها لا توجد أصلًا {إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} ، وإنما علق النفي - هذا توجيه له - وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحًا بنفي ما هو غرضه من وقوعها، وهذا يحتمل أن غرضه ماذا؟ أن تنفع، فعَلَّقَ الحكم النفي بماذا؟ بالنفع، ويحتمل لا، الوجه الآخر، وهو ماذا؟ الإشارة إلى أن الشفاعة قد تنفع وقد لا تنفع، متى لا تنفع؟ إذا كانت بغير إذن، ولذلك إلا من أذن له الرحمن فتنفعه الشفاعة، فتقدر ما سُلِّطَ عليه النفي، فدلّ ذلك على أن الشفاعة لَمَّا عُلِّقَتْ بالنفع فيه إشارة إلى أنها قد تنفع، متى تنفع؟ إذا وُجِدَ الوصف الذي كان بعد إلا كائنةٌ لمن أذن له الرحمن. قال: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ} . قرأ الجمهور {أَذِنَ} بفتح الهمزة، ومن الآذِن؟ الله عز وجل، أي أذن الله له، لأن اسمه سبحانه مذكور قبل هذا، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضمها على البناء للمفعول (أُذِنَ) والآذِن كذلك هو الله عز وجل، وبهذا انقطعت كل الوسائل والأسباب للمشركين، وهذا من أكبر الآيات الدالة على بطلان عبادة الأصنام، هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها. لأن أسباب الشرك هذه الأربعة: استقلالًا في المِلْك، مشاركة، معاونة، شفاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت