الأول: الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولوا العزم عليهم الصلاة والسلام حتى تنتهي إليه فيقول: «أنا لها أنا لها» ، وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى يُريحهم من مقامهم في الموقف، وحديثها طويل ومعروفٌ في الصحيحين، وهذه شفاعةٌ يختص بها يعني لا يَشْرَكَهُ أحدٌ فيها من الخلق، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تعالى.
الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها. وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل المتفق عليه. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ... [الزمر: 73] . فالواو تدل على شيءٍ محذوف، أليس كذلك؟ يعني وحصل ما حصل من الشفاعة {فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ولذلك قال في شأن النار ماذا؟ {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71] . إذًا الواو دلت على محذوف مثل: {أَوَلَوْ كَانَ} [البقرة: 170] . ما سبق حينئذٍ نقول: ما هو المحذوف؟ حصل ما حصل من الشفاعة، إذًا ثم أمورٌ محذوفة دلت عليها ماذا؟ السنة أن ثَمَّ شفاعة بعد الصراط إلى آخره.
الثالث: شفاعته - صلى الله عليه وسلم - لقومه للعصاة من أمته قد استوجبوا النار، فيشفع لهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع قد يستدل له لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يُشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» . هكذا أورده الشيخ ابن عثيمين وهو دليلٌ حسن، فإن هذه الشفاعة قبل أن يدخل النار فيشفعه الله في ذلك.
الرابع: شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم أن يُخرجوا منها، والأحاديث بها متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أجمع عليها الصحابة وأهل سنة قاطبة، وبَدَّعُوا من أنكرها وصاحوا به من كل جانب ونادوا عليه بالضلال كالمعتزلة والخوارج، ولا يلتفت إليهم وإنما هي محل إجماع إذًا ثابتة بالنص والإجماع.
الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورِفْعَةِ درجاتهم، وهذه مما لم يُنازع فيها أحد، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال - صلى الله عليه وسلم - في أبي سلمة: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين» . إذًا فيه ماذا؟ فيه سؤال له برفعة الدرجات، وهذا نوع شفاعة، والشفاعة قلنا: ماذا؟ قلنا: هي نوع من الدعاء، «وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه» . والدعاء كما مر معنا شفاعة.