فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 2014

فالناس الأول المراد به واحد، وهذا كثير في لسان العرب وكذلك في القرآن والسنة، وهل هو مجاز أم حقيقة هذا سبق بحثه في فن الأصول. فالآية محمولة على المؤمنين منهم، وهو كقوله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} الأعراب كلهم أو فريق منهم؟ بعضهم، فأطلق العام وأراد به الخاص، ابتداء قبل التركيب أطلق العام وأراد به الخاص ليكون من قبيل العام الذي أُريد به الخصوص، وهو كقوله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} وإنما قال: فريق منهم. ذكره الضحاك والفراء، إذا هذا الذي سبق ذكره الضحاك من المفسرين، وكذلك الفراء من أهل التفسير والبيان. وفي قراءة عبد الله بن مسعود (وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) هي قراءة شاذة لكنها معتمدة من حيث المعنى، لا يُقْرَأُ بها لكن يُستفاد منها أحكام، مثل (أيام متتابعات) ثلاثة أيام، فحينئذ نقول: قراءة ابن مسعود (وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) يدل على هذا القول، وهو أن قوله: الإنس والجن في الآية عام أريد به الخاص، وأن قوله: (من المؤمنين) هذا التقدير لا بد منه من أجل يستقيم معنى الآية مع الآيات الأخرى، وكذلك الواقع الذي هو وجود من كفر ولم يعبد الله عز وجل من الجن والإنس، هذا القول الأول في معنى الآية.

وقال علي رضي الله عنه: أي وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة. على القول الأول هل دخل الكافر في النص؟ لا، وعلى قول عليٌّ رضي الله عنه إلا لآمرهم أن يعبدوني دخل الكافر أو لا لأنه مأمور بالعبادة.

إذًا النص باق على عمومه ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) كل إنسي وكل جني ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) يعني إلا لآمرهم بالعبادة وأدعوهم إلى عبادتي، وعلى هذا يكون فهم عليّ رضي الله عنه للنص أنه عام أريد به العموم، عام على بابه يعني، ولم يُنْقل إلى المعنى الثاني وهو أنه عام أريد به الخصوص. إذا هذه يجعل مثال للمسألة في كتب الأصول (العام الذي أريد به الخاص، والعام الذي أريد به العموم) .

وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم يعني بالعبادة، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا} . هذا قاله في شأن من؟ النصارى واليهود {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا} إذًا أمروا، وهذا كما سبق أن الكفار بالإجماع أنهم مأمورون بأصول الشريعة، بالإجماع أن يعبدوا إِلَهًا واحدًا، هذا هو أصل التوحيد، إذا هم مأمورون أو لا؟ نقول: نعم هم مأمورون. هل خلقوا في هذه الدنيا من أجل العبادة على هذا القول؟ الجواب: نعم. يعني ما خلقهم الله عز وجل: {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ} يعني ليوحدوا الله تعالى. دل هذا المعنى قول علي رضي الله تعالى عنه وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى والزجاج، دل عليه قوله تعالى {وَمَا أُمِرُواْ} والضمير هنا يعود إلى اليهود والنصارى {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا} فهم مأمورون وعليه فهم داخلون في الحكمة من خلق اليهود والنصارى وغيرهم من كونهم خلقوا لأجل العبادة فحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت