وعن ابن عباس - قول ثالث: إلا ليقروا بالعبودية طوعًا وكرهًا. وعليه يفسر قوله تعالى: ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ، فسر العبادة هنا بالمعنى اللغوي أو بالمعنى الشرعي؟ على قول ابن عباس: إلا ليقروا بالعبودية طوعًا. هذا ل إشكال فيه المؤمنين كَرهًا أو كُرهًا هذا شأن من؟ شأن الكافر، الكافر عبد لله، لكن العبادة ليست شرعية وإنما هي عبادة كونية. كما سيأتي في تقسيم العبادة إلى شرعية وكونية، فالكافر عبد لا شك {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] عبدًا {كُلُّ} ، يعني المؤمن والكافر، إنسي أو جني دخل في النص، حينئذ يُطلق وصف العبودية على المؤمن ويُطلق وصف العبودية على الكافر ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ليقروا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا. إذا اختصت العبودية هنا بالمعنى اللغوي، وهذا القول (قول ابن عباس) رجَّحه إمام المفسرين الطبري رحمه الله تعالى، وهو أن المراد ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) المراد به العبادة بالمعنى اللغوي التي تشمل العبادة الكونية، فيشمل حينئذ الكافر، ورجح قول ابن عباس هذا الطبري رحمه الله وهو قوله: ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) إلا لعبادتنا والتذلل لأمرنا. والمراد بالأمر هنا ما يشمل الشرعي والكوني، لأنه قال كَرهًا فيما سبق، هذا نص ابن عباس، فدلّ على أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني، وهذا هو المرادف للعبودية أي العبادة الكونية، وهي موافقة أمر الله تعالى الكوني. ثم قال الطبري رحمه الله تعالى بعد ما رجَّح قول ابن عباس: فإن قال قائل فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره - كيف كفروا كيف وقع هذا، وقد خلقهم الله عز وجل للتذلل لأمره -؟
قيل: لأنهم قد تذَلَّلُوا لقضائه الذي قضاه عليهم. هذا يؤيد أن المراد به العبادة هنا بالمعنى اللغوي، وهي التذلل والخضوع، وهذا يشمل الطائفتين المؤمنين والكافرين، حينئذ لَمَّا أُورد عليه وقد رجَّحه الطبري كيف وقد كفر من كفر ولم يدخل في قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} )؟ يعني لم يأت بالعبادة الشرعية. قال: لا، هم وافقوا أمر الله عز وجل الكوني. يعني دخلوا في قضائه، فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره. قيل: لأنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم، لأن قضاءه جارٍ عليهم لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، إذًا وقع الكفر من حيث ترك التوحيد، وأما من حيث التعبد والتذلل لله عز وجل فهو حاصل ثابت له، لكن هل هذا أراده الله عز وجل بالنص؟ لا شك أنه ليس كذلك.
فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه. هذا قول ابن عباس رضي الله عنه، وهو أن المراد بالعبادة ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) المراد به العبادة اللغوية.
وعن مجاهد: إلا ليعرفوني. معرفة عامة. وعنه أيضًا: إلا لآمرهم وأنهاهم.
وعن زيد بن أسلم: هو ما جُبلوا عليه من الشقوة والسعادة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية. يعني عمم الآية لتشمل الطائفتين.