إذًا الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل في ذلك أبو طالبٍ دخولًا أوليًّا ولا يجوز إخراجه البتة. فيكون قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} هديته من الناس، صحيح؟ من الناس يعني: عام، وهذا عموم أخذناه من ماذا؟ من كون الحكم الشرعي هنا من حيث المعنى مُعَلَّلًا أو لا؟ لأنه قال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} . فالهداية التي هي مدلول اسم الباري جل وعلا الهادي خاصة بالباري جل وعلا، حينئذٍ هذا المعني مطرد أو لا؟ مطرد، زيد من الناس لا تستطيع أن تهدي من أحببت، عمرو من الناس لا يستطيع .. ، وهلم جرا، فالحكم عام، لماذا؟ لأن هذا المعنى خاصٌ بالباري جل وعلا كما أنه لا يملك الرَّزْق إلا الله كذلك لا يملك الهداية إلا الله، فحينئذٍ يكون عامًا.
ثم من القاعدة التي ذكرناها القاعدة الأصولية وهو أن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب لسائر أمته فلا يشكل عليك قوله في أول الآية {إِنَّكَ} قلنا: الكاف كاف خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - لكن من حيث المعنى ومن حيث القواعد العامة والأصول المطردة عند الأصوليين أن اللفظ هنا لا اعتبار له من حيث، ماذا؟ من حيث الإفراد، والخطاب للمفرد {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي من الناس كما قدره الشوكاني رحمه الله تعالى وهو جيد، فيكون المفعول به محذوف تقديره هدايته، وفي الآية نفي للهداة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} لا نافيةٌ، والنفي عدم ليس بوجود، أليس كذلك؟ {لَا تَهْدِي} تهدي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة صحيح؟ فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره لأنه معتل الآخر، طيب قلنا: الفعل المضارع في سياق النفي يُعتبر من صيغ العموم، وهو أنه منسبك من مصدر وزمنٍ، أليس كذلك؟ {تَهْدِي} مصدر وزمنٍ، كأنه قال: لا هداية. والمصدر معلوم أنه نكرةٌ وهو حدث، المصدر نكرةٌ، والنكرةٌ في سياق النفي تعم، إذًا أدنى ما يكون من هداية التوفيق لا تهدي فهي منفيةٌ. إذًا فيه عموم، هذه الهداية أو هذه الآية فيها نفيٌ للهداية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإثباتها لله تعالى، نفى وأثبت، أليس كذلك؟ {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي} إذًا هل المنفي هو عين المثبت؟ نعم، هو المراد بالهداية هنا هداية التوفيق، فالمنفي هو عينه الذي أُثبت للباري جل وعلا - انتبه - فالذي نفاه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبته لنفسه جل وعلا على جهة الخصوصية. إذًا في الآية نفيٌ للهداية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإثباتها لله تعالى، بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} ، ومن أسماء الله تعالى الهادي اسم فاعل من الهداية، ومعناه كما قال أهل العلم: هو الذي بَصَّرَ عباده وعرَّفَهُم طريق معرفته، وهدى كل مخلوقٍ إلى ما لا بد منه.
وتنقسم الهداية إلى قسمين: