إذًا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمه: ( «قل: لا إله إلا الله» ) . أي هذه الكلمة أمره بقولها ليحصل له بذلك الفوز العظيم، ولعلمه - صلى الله عليه وسلم - بعلم أبي طالبٍ بما دلت عليه من نفي الشرك بالله وإخلاص العبادة لله وحده، فإن من قالها عن علمٍ ويقينٍ وقبولٍ فقد بَرِأَ من الشرك والمشركين، ودخل في الإسلام، لأن العرب يعلمون ما دلت عليه، فلا يقولها إلا من ترك الشرك وبرأ منه، وكذلك الحاضرون يعلمون ما دلت عليه، يعني المسيَّب وعبد الله بن أبي أمية وأبو جهل يعلمون ما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه، ولهذا عارضوه بما يأتي.
وفيه أن المأمور به هنا الاعتقاد والقول وإن لم يعمل به، يعني هذه الحال مستثنى نحن نقول العمل. العمل هذا قيدٌ وشرطٌ داخلٌ في مفهوم بل هو ركنٌ داخلٌ في مفهوم لا إله إلا الله، لكن هذا متى؟ مع القدرة والإمكان، وأما إذا كان في مثل هذه الحالة حينئذٍ لا يطلب منه إلا القول والاعتقاد لأنه على وشك أن يموت يذهب متى يصلي؟ ما في صلاة عنده ولا صيام ولا حج. إذًا لتعذر إيقاع هذه العبادة حينئذٍ اكتفينا بماذا؟ أو اكْتُفِي بالاعتقاد والقول، وهذا واضحٌ بَيّن، أن المأمور به هنا هو الاعتقاد والقول وإن لم يعمل به، إذ لا يمكن عند الموت إلا ذلك، ولا بد مع ذلك من شهادة أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
( «قل: لا إله إلا الله، كلمةً» ) بالنصب هذا بدل من قوله: ( «لا إله إلا الله» ) ، ( «قل» ) هذا فعل أمر أين المفعول به والفاعل أنت؟ المفعول به جملة ( «لا إله إلا الله» ) ، ( «كلمةً» ) هذا بدل. بدل كل من كل، بالنصب بدلًا من ( «لا إله إلا الله» ) ، ويجوز رفعها على أنها خبرٌ لمحذوف لمبتدأ محذوف كلمةٌ هي كلمةٌ، أي هي كلمةٌ.
( «أحاجُّ» ) ، ( «أحاجَّ لك بها عند الله» ) ، ( «أحاجُّ» ) بالرفع صفةٌ لكلمة ( «أحاجُّ» ) فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ( «أحاجُّ» ) أنا، والجملة في محل نعت لكلمة، إما بالنصب في محل نصب إن كانت منصوبة أو مرفوعة، وبالجزم ( «أحاجَّ» ) جواب الطلب، قل: إن تقل أحاج، إذًا مقيدة أو لا؟ مقيدة. فجواب الشرط مقيد بالقول، إن تقل حينئذٍ أحاج، فإن لم تقل فلا محاجة، وبالجزم لوقوعه في جواب الأمر، وحرك الجزم بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين ولم يكن كسرًا لأنه لا يدخل الكسر الفعل، وهذا أحاج مأخوذٌ من المحاجة وهي مفاعلةٌ من الحجة، أي أشهد لك بها عند الله، وبرهانًا اعتذر بها لك عنده، فالمعنى أذكرها حجةً لك عند الله، وليس المراد أخاصم وأجادل لك بها عند الله ليس هذا المراد - وإن قال به بعض الشراح، أحاج يعني: أخاصم وأجادل - لا حاش وكلا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يكون مخاصمًا ومجادلًا لربه جل وعلا، إنما المراد أذكرها حجة لك عند الله تعالى.