وهذه الآية متضمنةٌ لقطع الموالاة للكفار، لأنه إذا مُنِعَ الاستغفار فالمحبة والموالاة والنصرة من باب أولى وأحرى، إذا كان مجرد الدعاء اللهم اغفر لهم وارحمهم نقول: هذا ممنوع، حينئذٍ كيف تكون ماذا؟ ما عدا ذلك، هذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار، بل إذا حَرُمَ الاستغفار لهم فمحبتهم وموالاتهم أولى، فلا يحل لمسلم أن يدعو بالمغفرة لكافر مِمَّا عُلِمَ على أنه مات على كفره، قال هنا: ( {أَن يَسْتَغْفِرُواْ} ) . هذا اسم كان، ( {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ} ) أين اسم كان؟ أن ما ودخلت عليه في تأويل مصدر، استغفار المؤمنين للمشركين ( {أَن يَسْتَغْفِرُواْ} ) الواو تعود إلى المؤمنين، النبي ومن معه، إذًا في التقدير تقول: ما كان للنبي استغفار المؤمنين للمشركين، ( {لِلنَّبِيِّ} ) هذا هو الخبر، إذًا اسم كان أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، وللنبي هذا خبر مقدم، ( {أَن يَسْتَغْفِرُواْ} ) أن يطلبوا المغفرة للمشركين ( {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} ) أي حتى ولو كانوا أقارب لهم، فالبراءة من المشركين والمنافقين واجبةٌ، والقرابة لا تأثير لها في مثل هذا الحكم الشرعي العظيم، وهو أصل من أصول المعتقد، يعني قريب النسب لا مقام له هنا. ولذلك مر معنا ( «يا فاطمة» ) ، ( «يا عباس» ) ، ( «سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا» ) ، إذًا النسب منقطع، إذا كان كذلك فحينئذٍ لا أثر له هنا، ( {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، يعني لماذا؟ تبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم، إذا قيل: أصحاب الجحيم. يعني الذين لازموا الجحيم، ولا يلازم الجحيم التي هي النار إلا الكافر، فإنه لا داخل فيها ولا يخرج، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} فطلب المغفرة في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده، وقوله هنا في الحديث: (فأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} ) . هنا إشكال وهو أن وفاة أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذه الآية في سورة التوبة وهي مدنية، فكيف يقول: (فأنزل الله) ؟ أليس كذلك؟ يرد الإشكال، الإتيان بالفاء المفيدة للترتيب تفيد أنها نزلت في أبي طالب هكذا، هذه الآية نزلت في أبي طالب. روى الطبري عن عمرو بن دينار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرسل هذا يعتبر - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك» . هكذا يقول قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك: «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى يناهني عنه ربي» . فقال أصحابه: نستغفر لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه. فنزلت. يعني هذه الآية. كما ذكرت أنه لم يثبت، وهذا قالوا فيه إشكال لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة، لكن الحديث الذي معنا في الصحيح ثابت يعني لا إشكال فيه، الإشكال في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: استغفر كما استغفر إبراهيم.