ثم قال الصحابة إذًا ما دام النبي - صلى الله عليه وسلم - استغفر فنستغفر كلنا، هذا لم يثبت، وهذا فيه إشكال لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وهذه الآية بسورة التوبة، وهي متأخرة مدنية وقصة أبي طالب مكية، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى قبر أمه لما اعتمر، اعتمر من أين؟ من المدينة، حينئذٍ أراد ماذا؟ أن يستغفر لها، فلو كانت الآية سابقة لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - واقعًا في النهي، وليس الأمر كذلك، أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، وفي هذا دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، التأخر مقطوع به، يعني هذه الآية قطعًا متأخرة النزول عن وفاة أبي طالب، لكن هل وفاة أبي طالب سبب في النزول أم لا؟ إذًا عندنا أمران: كونها متأخرة مقطوع به، لكن هل هي سبب نزول أو لا؟ قال هنا: وفي هذا دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب لأنه يمتنع أن يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول النهي، فدل على تأخر نزولها فيحتمل، يحتمل هنا أن المراد بقول الراوي: (فأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ} ) . يحتمل المراد بيان دخولها في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} . وليس المراد أنها نزلت في ذلك الوقت، ليس المراد أنها نزلت في ذلك الوقت، وإنما المراد أن هذا السبب داخل في هذا النص، أليس كذلك؟ وهذا استدلال بالأعم على الأخص، وهذا يرد عند بعض السلف فنزلت هذه الآية، فأنزل الله هذه الآية، يدل على ماذا؟ على أن هذا السبب داخل في هذا النص، وليس المراد أن هذه الحالة هي التي اقتضت نزول هذا النص، ليس هذا المراد، وهذا محتمل، ويجوز أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، هذا جائز، ويكون لنزولها سببان متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر أمه، وهذا محتمل لكن الأول أولى، ويؤيد تأخر النزول استغفاره - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخر النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في حديث الباب: (وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ) . لأنه قال: (فأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} ) . قال: (وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} ) . هذا يدل على ماذا؟ على أن الراوي جعل النص الأول عامًا في أم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويشمل كذلك من حيث المعنى قصة أبي طالب، قال: (وأنزل الله في أبي طالب) . دل ماذا؟ على أن الآية الثانية هي التي نزلت في شأن أبي طالب.