القول الثاني: إلا ليقروا بالعبودية طوعًا وكرهًا. قلنا: هذا قاله ابن عباس، وبيان هذا في قوله {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] يعني أقروا جاءت نصوص تدل على أن المشركين أقروا ببعض مفردات توحيد الربوبية، إذًا هذا مما خُلِقُوا لأجله، لأنهم جاءوا بشيء من التوحيد، يعني مطلق التوحيد، وهذا فيه نظر.
الثالث: أنه خاص في حق المؤمنين. قال سعيد بن المسيب: ما خلقتُ من يعبدني إلا ليعبدني. وهذا الذي عناه بقوله: ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) من المؤمنين ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) .
وقال الضحاك والفراء وابن قتيبة: هذا خاص بأهل طاعته. وهذا اختيار القاضي أبي يعلى. هكذا نص ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )على أنه اختيار أبي يعلى وهو من الحنابلة، فإنه قال: معنى هذا الخصوص لا العموم. يعني حمل النصوص على الخصوص، وليس عامًا، وإن كانت (أل) هنا تدل على العموم، لأن الْبُلْهَ والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وهو أصولي فنظر إليها نظرًا أصوليًّا، الخطاب هنا ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) هذه كما سيأتي في معنى الآية أنهم مأمورون بما خُلقوا لأجله، يعني دل النص على شيئين:
أولًا: بيان الحكمة من خلق الجن والإنس.
ثانيًا: أمرهم بها. لأنه يستحيل أن يقال: بأن الله خلقهم لشيء ثم لم يأمرهم. هل يمكن أن يقال: بأنه خلقهم للعبادة ثم لم يأمرهم بالعبادة، ولم يبين لهم العبادة؟ هذا محال.
فدلت الآية على أنه يجب العمل بالتوحيد كما سيأتي. إذا قال القاضي هنا: معنى هذا الخصوص لا العموم لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وإن كانوا من الإنس، وكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} فمن خُلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة. إذًا حمل هذا النص على العموم وخصه بما ذكر.
القول الرابع: إلا ليخضعوا إليَّ ويتذَلَّلُوا. ومعنى العبادة في اللغة: الذل والانقياد. وكلّ الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل لا يملك خروجًا عمَّا قضاه الله عز وجل، وهذا مذهب جماعة من أهل المعاني، يعني حملوا معنى العبادة على المعنى اللغوي، وهذا فيه نظر كما أن القول الثالث فيه نظر إلا إذا اعتبرنا قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويُعتبر قولًا يُحكى، وهو له وجهه من حيث التأصيل، ويرجح عليه قول علي رضي الله عنه، حينئذ يكون تضارب بين بعض أنواع التفسير.
وهذا الاختلاف هل يقال بأنه اختلاف تضاد أو اختلاف تنوع؟