هل يمكن أن نجمع بين الأقوال؟ نقول: الآية كلها يُحمل على قول ابن مسعود وقول علي؟ لا، لأن قول ابن مسعود أن الكفار ليسوا داخلين في النص، وقول علي أنهم داخلون في النص، وهذا تضارب لا يمكن أن تكون الآية تشمل الكافر ولا تشمل الكافر، هذا بعيد، وهذا تناقض، حينئذ لا بد من الترجيح، وهذا القول الأخير فيه نظر لأنه فسروا العبادة بالمعنى اللغوي فحسب، وسبق معنا قاعدة: أن الألفاظ الشرعية التي لها حقائق شرعية حينئذ متى ما ورد النص في كتاب أو سنة بلفظ شرعي وجب حمله على الحقيقة الشرعية، فالعبادة لها معنى لغوي ولها معنى شرعي، هل إذا جاء لفظ العبادة (اعبدوا، عباد) .. إلى آخره. نقول: هل يفسر بالمعنى اللغوي أو بالمعنى الشرعي؟ الأصل أن يُفسر بالمعنى الشرعي، وهل يجوز أن يفسر بالمعنى للغوي؟ نقول: نعم إذا دل القرينة عليه، وأما إذا لم يكن ثَمَّ قرينة فوجب حمله على المعنى الشرعي، وكذلك الصوم والصلاة والطهارة كل الذي له حقائق شرعية وجب حمله على الحقيقة الشرعية، إلا لدليل، فحينئذ يُحمل على المعنى اللغوي ولا حرج، وليس المراد أنه لا يُفسر إلا بالمعنى الشرعي؟ لا، [وإنما قد يُفسّر، نعم]
نقول: الأصل أنه يُحمل على المعنى الشرعي، فإن كان ثمة قرينة تدل على أن المراد به المعنى اللغوي أو المعنى الاصطلاحي حينئذ نقول: يُحمل على المعنى اللغوي والاصطلاحي.
وكذلك القول الثالث فيه نظر، وبحثه في معنى (اللام) من قوله: ... ( {لِيَعْبُدُونِ} ) يعني سبب الخلاف هنا في قوله: ( {لِيَعْبُدُونِ} ) اللام هذه للتعليل، وهذا التعليل واضح بَيِّن من نص الآية أنه لبيان الحكمة من الخلق، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بالحكمة الغائية، وليس التعليل المراد به ملازمة العلة للمعلول، وهو ما يُسمى بالعلة العقلية الموجبة، وهذا فيه بحث عند الأصوليين، وعليه يقال: (اللام) هنا هل هي للتعليل الشرعي الذي هو ربط الحكمة بفعل الرب جل وعلا؟ أو أن المراد به التعليل العقلي؟ يعني هل العلة هنا شرعية أو عقلية؟ هذا محل النزاع بين المفسرين.
والظاهر وهو المتبادر إلى الأصل الشرعي أن المراد به العلة الشرعية.
العلة في اللغة قيل: هي اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله. مأخوذ من العلة التي هي المرض، هذا يذكره الأصوليون في العلة التي هي أحد أركان القياس، لم سُمِّيَتْ علة؟ تسمى الباعث والسبب .. إلى آخره، لكن العلة سميت علة من المرض لماذا؟ لأن الإنسان إذا أُصيب بالمرض السبب الذي نقله من حالة الصحة إلى المرض (الجرثومة) مثلًا تُسمى علة. إذًا اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله. لما وُجِدَ هذا السبب الذي يترتب عليه نوع مرض حينئذٍ حُكِمَ بتغيره من حالة الصحة إلى حالة المرض، هذا ما يسمى بالعلة.