أي: الكبيرة في هذا الباب من حيث المعنى، وفي نسخة: (الكبرى) . أي أن تفسيرها إفراد الله بالعبادة، هذا الذي فهمه أبو طالب، وهو الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله من أجله، وهو الذي فهمه عبد الله بن أمية وأبو جهل وأعادا على أبي طالب: أترغب عن ملة عبد الطلب، كل ذلك يدل على أن معنى لا إله إلا الله إفراد الله تعالى بالعبادة وترك ما سواه. إذًا هؤلاء أَفْقَه في معنى لا إله إلا الله من ممن يدَّعِي العلم من المتأخرين، وهذا عجب، ولذلك قال: (المسألة الكبيرة) . أي أن تفسيرها إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، ولذلك لما فَهِمَ هذا كفار قريش لم يقولوها بخلاف من بعدهم مِمَّن يدَّعِي العلم من أهل الكلام وغيره، فإنهم لما خَفِيَ عليهم هذا صاروا يقولونها وهم متلبسون بالشرك ما فهموا معناها، لو فهموا معناها لعلموا أن التعلق بالأولياء شرك أكبر، أولئك رفضوا القول لما دلت عليه من معنى، وهؤلاء جهلوا المعنى فتلبسوا بنقيضها صحيح؟ فهموا المعنى فردوها المشركون الأُوَل، وأما المشركون المتأخرون قالوها لكن لم يفقهُوا معناها، وعدم فقه المعنى لا يلزم رفع وصف الشرك عنهم، يقولونها وهم متلبسون بالشرك لظنهم أنه لا ينافيها، إذ معنى لا إله إلا الله عندهم هو لا قادر على الاختراع إلا الله، فمعنى الإله هو القادر على الاختراع، حينئذٍ ردوا توحيد الألوهية إلى توحيد الربوبية ففسروا لا إله إلا الله بأفراد ومفردات توحيد الربوبية وهذا باطل، فعبدوا غير الله وهم يقولون: لا إله إلا الله. باطل لماذا؟ لأنهم أرادوا به المعنى المطابقي نحن لا نقول: بأن لا إله إلا الله لا تدل على أفراد الربوبية؟ لا، تدل. لأن لا إله إلا الله، الله إذًا ما المراد بـ الله هنا؟ المعبود الحق، وهذا لا يكون كذلك إلا إذا كان متصفًا بماذا؟ بكمال الصفات التي أثبتها لنفسه.
(الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ) دخل (قال للرجل: «قل لا إله إلا الله» ) هكذا عندكم؟
إذا قال، إذا؟
إذا قال للرجل، هاه؟
(إذ) (إذ قال للرجل: «قل لا إله إلا الله» . فقَبَّحَ اللهُ مَنْ أَبُو جَهْلٍ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الإسلام) ، وما أكثرهم، ما أكثرهم ممن يجهلون أصل الإسلام، أي أنهم عرفوا مراده - صلى الله عليه وسلم - من هذه الكلمة، وهو أنه يقتضي ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله، ولذلك قالوا له: (أترغب عن ملة عبد المطلب) ؟ فنَهَوا أبا طالب عن قولها، وهو أيضًا أبى أن يقولها لذلك، وهذا يدل على أنهم أعلم بأصل الإسلام من كثير من أهل هذه الأزمان، فقوله: (فقبح الله من أبو جهل) . لم يذكر من معه لأنهم أسلموا، وبذلك صاروا أعلم مِن مَن بعده، أليس كذلك؟ قال: أن أبا جهلٍ ومن معه يعرفون. ثم قال: (فقبح الله من أبو جهل) . لم يذكر من معه لماذا لأنهم أسلموا.
(الخامسة: جدّه - صلى الله عليه وسلم - ومبالغته في إسلام عمه) .