قال: (هو الغلو في الصالحين) ، (هو) ضمير فصلٍ مُؤَكِد، يعتبر من المؤكدات عند البيانيين لا محل له من الإعراب، و (الغلو) إيش إعرابه؟ خبر (أن) أن سبب الغلو إذًا خبر (أن) ، و (سبب) اسمها، (الغلو) بالرفع خبر (أن) و (الغلو) هو تجاوز الحد، كل شيءٍ تجاوز حدَّه فقد غلا فيه، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاءٌ، لا يقال غلو وإنما يقال ماذا؟ غلاءٌ، لأنه تجاوز حدّه، إذًا تجاوز الحد في السعر هو يسمى ماذا؟ يسمى غلاءً، وإذا كان في القدر والمنزلة غُلُوٌ وهو الذي معنا، وفي السهم غَلْوٌ، إذًا غَلاَءَ، وَغُلُوٌ، وَغَلْوٌ. في السهم غَلْوٌ، وفي القدر والمرتبة والمنزلة غُلُوٌ، وفي السعر غَلاءٌ، وأفعالها جميعًا غَلا يَغْلُو، أفاده في المفردات. يقال: غَلَوْتُ بالسهم وغَلا السهم غَلْوًا رفع يده برميه. قال العلماء: الْغُلُو هو مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه. حينئذٍ يكون من جهة المدح ويكون من جهة القدح، فكلٌ منهما إذا تجاوز حده فقد غلا، وضابطه تعدِّي ما أمر الله به، كل ما تُعُدِّيَ فيه ما أمر الله تعالى به فقد غلا لأنه تجاوز به الحد، وإما بالزيادة بالإفراط، وإما بالنقص بالتفريط، فالغول شاملٌ لنوعين، ولذلك لا يختص بالثناء بعضهم حدَّه وخصَّه بالثناء، والثناء يكون باللسان، والغلو ليس خاصًا باللسان قد يكون بالفعل، فحينئذٍ ليس خاصًا باللسان. إذًا ضابطه تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81] . وقيل الغلو مجاوزة الحد في الثناء مدحًا أو قدحًا، ويَرِدُ عليه أن الغلو لا يختص بالثناء بل هو عامٌ، ولذلك نقول: مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه ولو كان بالترك بالفعل.
قال: (الصالحين) ، (غلو في الصالحين) ، (الصالحين) جمع صالح وهو من قام بحق الله وحق العباد، اتصف بالصلاح من قام بحق الله تعالى على أتم وجه، وكذلك في حق العباد. ومراد المصنف بالباب باب ما جاء - الدليل والبرهان على - أن سبب كفر بني آدم - أو سبب أول كفر بني آدم - وتركهم دينهم - الذي خُلِقُوا له ولا صلاح ولا فلاح لهم إلا به - هو الغلو في الصالحين - من الأنبياء والأولياء وغيرهم بالقول والاعتقاد فيهم. ولذلك قال: (في الصالحين) . والصالح هذا يصدق على من؟ على الأنبياء والرسل ومن دونهم، والغلو في الصالحين قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر، وقد يكون وسيلةً إلى الشرك والكل منهيٌ عنه.