قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: والغلو هو مجاوزة الحد بأن يُجعل للصالحين من حقوق الله الخاصة به شيءٌ فإن حق الله الذي لا يُشاركه فيه مشاركٌ هو الكمال المطلق، والغنى المطلق، والتصرف المطلق من جميع الوجوه، وأنه لا يستحق العبادة والتأله أحدٌ سواه فمن غلا بأحدٍ من المخلوقين حتى جل له نصيبًا من هذا الأشياء فقد ساوى به رب العالمين وذلك أعظم الشرك. يعني: هذا النوع من الغلو يعتبر شركًا، إذًا كل شركٍ هو غلو، لأنه رفع ماذا؟ غلا في هذا المعبود سواء كان من الصالحين أو من غيرهم غلا فيه ورفعه عن منزلته وصرف له شيئًا من العبادة. قال: وذلك أعظم الشرك، ومن رفع أحدًا من الصالحين فوق منزلته التي أنزله الله بها فقد غلا، وذلك وسيلة إلى الشرك وترك الدين. حينئذٍ المصنف أراد ما ذكره ابن السعدي رحمه الله تعالى فتكون الترجمة عامة، ولذلك قال: (هو الغلو) . فأطلق المصنف فشمل ما كان أصلًا وما كان وسيلة، ما كان أصلًا هو الشرك الأكبر، وما كان وسيلةً فقد يكون شركًا أصغر وقد يكون دون ذلك، ففي الترجمة حينئذٍ عموم، وهو مقصود للمصنف، يعني: ليس المراد هنا أحد أنواع الغلو لا، وإنما أراد به بيان السبب، حينئذٍ السبب ما يوقع في المسبب سواء كان شركًا بنفسه، أو لا، ففي الترجمة عموم وهو مقصود والله أعلم، ويدل على ذلك الأحاديث الواردة إذ هي عامة مطلقة «إياكم والغلو» . هكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال، «هلك المتنطعون» سيذكره المصنف هذا عام لا يشمل لا يختص بالشرك الأكبر، إنما يعم النوعين، وفي الترجمة إضافة الشيء إلى سببه بدون أن يُنسب إلى الله، السبب هو الغلو ما نسبه قال بعد الله تعالى أو .. إلى آخره وهو جائز لصحة السبب ووقوعه من جهة ثبوته شرعًا وحسًّا وواقعًا. يعني الشيء إذا كان له أثر فنُسِبَ إليه مع الاعتقاد بأنه سببه والترتب عليه يكون من باب السببية هذا لا إشكال فيه، لذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في عمه: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» . «لولا أنا» سبب شرعي صحيح، لولا فلان لولا كذا، إذا كان سببًا شرعيًّا صحيحًا ثبت من جهة الحسّ والواقع أو الشرع فلا إشكال فيه، لكن بشرط أن يكون النية مبينة لذلك، وفي الترجمة كذلك قصر سبب الكفر على الغلو، لأنه قال ماذا؟ (هو الغلو) ، (هو) قلنا: هذا ضمير فصل أفاد التوكيد، عند بعضهم يفيد الحصر، حينئذٍ يكون ثَمَّ ما هو غير الغلو منفيًّا أو مثبتًا؟ يكون منفيًا، فحصر المصنف هنا السبب في ماذا؟ في الغلو في الصالحين، يُفهم منه أن غير هذا السبب لا يكون سببًا، وفي الترجمة قصر سبب الكفر على الغلو، والقصر ينفي وجود سبب آخر هكذا ظاهر كلام المصنف.