ذكر المصنف آيةً وأربع أحاديث في هذا الباب. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله عز وجل ( {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ) . في موضعين من كتابه، وهذا نداء لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، والكتاب التوراة لليهود والإنجيل للنصارى، ( {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ) هذا نهي، أليس كذلك؟ لا ناهية، وتغلوا فعل مضارع مجزوم بـ لا، وجزمه ماذا؟ حذف النون، لماذا؟ لأنه من أفعال أو الأمثلة؟ من الأمثلة الخمسة، أمثلة أحسن، إذًا نهي، والنهي يقتضي ماذا؟ يقتضي التحريم، ولا منافاة بين التحريم والشرك، فكل شرك فهو حرام، وليس كل محرم يكون شركًا. إذًا ( {لاَ تَغْلُواْ} ) نهي وهو للتحريم، ( {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ) أي لا تتعدوا ما حدَّ الله لكم، ولا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله تعالى، والغلو كثير في النصارى فإنهم غلو في عيسى عليه السلام فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله تعالى، رفعوه وهو نبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك رُفع إلى منزلة الألوهية وهذا نوع من الغلو، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله تعالى يعبدونه كما يعبدون الله، واليهود على النقيض تنقصوه فحطوه عن منزلته حتى جعلوه ولد بَغِيّ، فالنصارى أَفْرَطُوا واليهود فَرَّطُوا، الله عز وجل رد على الطائفتين كما قال سبحانه: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] الآلة لا يأكل الطعام، فردّ على النصارى الذين رفعوا عن منزلته وجعلوه آلهًا، والإله لا يأكل الطعام، وأولئك تنقصوه، قال سبحانه: {إِلَّا رَسُولٌ} . والرسول لا يكون ماذا؟ لا يكون ولد بَغِيّ قطعًا هذا، إذًا رَدّ على النصارى واليهود بهذه الآية، فنهاهم الله عز وجل بقوله: ( {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ) . عن الغلو في الدين ونحن كذلك، يعني: الحكم عام لنا ولهم.
قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: والناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام:
أهل الجفاء الذين يهضمونهم حقوقهم ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم والتوقير والتبجيل.
وأهل الغلو - عكسهم - الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.
وأهل الحق - وسط بين الطائفتين - وأهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقة، ولكنهم يبرأون من الغلو فيهم وإدعاء عصمتهم.