إذًا ثلاثة أنواع أو طوائف: أهل حق وهم وسط بين الإفراط والتفريط، فالغلو هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، والخطاب في الآية وإن كان لأهل الكتاب إلا أنه يشمل هذه الأمة فإنه عام يتناول جميع الأمة، وهو تحذير لهذه الأمة أن يفعلوا مع نبيهم ما فعلت النصارى مع المسيح واليهود مع العزير. قال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] . يعني نهاهم عن التشبه باليهود والنصارى بأهل الكتاب، ومن تشبه بهم من هذه الأمة في الغلو إفراطًا أو تفريطًا ففيه شبه من اليهود والنصارى، أليس كذلك؟ من فرَّط أشبه اليهود، ومن أَفْرَطَ أشبه النصارى، وهكذا، ومن تشبه به من هذه الأمة وغلا في الدين بإفراط أو تفريط فهو منهم «من تشبه بقوم فهو منهم» .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط فقد شابههم. أخذ حكمهم، فكل من دعا نبيًّا أو ليًّا من دون الله تعالى فقد اتخذه إلهًا وضاهى النصارى في شركهم واليهود في تفريطهم، وقد نهى الله تعالى عن الغلو في كتابه في مواضع، والغلو عام يشمل جميع أمور الدين، فشمل الغلو في محبة الصالحين.
وتخصيص المصنف هنا في الترجمة بالصالحين هل له مفهوم مخالفة أو لا؟ أَو مفهوم أَوْلَوِيّة؟
مخالفة: يعني غير الصالحين، لا بأس بالغلو فيه، الصالحين منهي عنهم.
أَوْلَوِيّة: الصالحون يعني غيرهم من دونهم من باب أولى وأحرى.
المراد الثاني -انتبه -.
قوله: ( {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ) . الدين يطلق على العمل والجزاء، والمراد هنا العمل، أي لا تجعلوا عبادتكم غلوًا في المخلوقين وغيرهم، ويشمل الغلو في العبادات نقصًا وزيادةً.
مناسبة الآية للباب فيها النهي عن الغلو مطلقًا. قال: ( {لاَ تَغْلُواْ} ) . ما وجه العموم؟
فعل مضارع في صيغة النهي فيعم من صيغ العموم، لذلك نقول: فيها النهي عن الغلو مطلقًا.
من أين جئت مطلقًا، هو نهى عن الغلو؟ أصل الغلو منهي عنه، عنه بجميع أنواعه؟ نعم بجميع أنواعه، ما الدليل؟ نقول: ( {تَغْلُواْ} ) فعل مضارع في سياق النهي وهو نكرة، والنكرة في سياق النهي تعم، حينئذٍ نقول: مطلقًا. وهذا جميل.
والنهي للتحريم، والتحريم أعمّ من كونه شركًا أولى، أليس كذلك؟ أعمّ من كونه شركًا أولى، فشمل الغلو لعمومه الغلو في الصالحين، ومن دونهم، والخطاب ليس خاصًا بأهل الكتاب بل هو عام، يتناول جميع الأمة تحذيرًا لهم أن يفعلوا في نبيهم وصالحيهم فعل النصارى في المسيح واليهود في عزير.