فقول ابن عباس ظاهره أنهم من قوم نوح، وظاهر القرآن أنهم قبل نوح عليه السلام، والثاني هو الذي اعتمده ابن جرير وابن كثير عند تفسيرهما للآية، قال ابن كثير: وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وأورد ابن جرير عن محمد بن قيس أنه قال: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح. وهذا هو الظاهر أنهم كانوا بين آدم ونوح، كانوا على الإسلام فحصل الاختلاف كما سيأتي في الآية، حينئذٍ كانوا على الإسلام إلى قُبَيْلِ بِعْثَةِ نوح عليه السلام، فحصل الشرك حينئذٍ بُعِثَ نوح عليه السلام وسبق هذا الأثر معنا.
وقال محمد بن كعب: هذه أسماء قومٍ صالحين كانوا بين آدم ونوح، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة. ففعلوا ثم نشأ قوم من بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم. فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت. إذًا ما بين آدم ونوح عليه السلام.
يؤدي هذا ما جاء عن ابن عباس أيضًا في موضع آخر في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] . أمة واحدة على الإسلام، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} أي فاختلفوا، لا بد من التقدير حصل الخلاف فبعث، إذًا أول الرسل مَنْ؟ نوح عليه السلام، فحصل الاختلاف أولًا ثم {فَبَعَثَ} الفاء تدل على ماذا؟ الترتيب، تفيد الترتيب جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرو، عمرو بعد زيد بلا مهلة، هذا الذي تقتضيه الفاء، حينئذٍ {فَبَعَثَ} تدل الفاء على أن ما بعده وقع بعدما حصل ما قبله، هذا الأصل فيه، فظاهر القرآن ماذا؟ أن الشرك حصل أولًا بهؤلاء الخمس المذكورات، ثم بعث الله تعالى نوحًا عليه السلام.
قال هنا: قال ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا. وهكذا قال ابن مسعود فاختلفوا {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} . قال قتادة في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} . قال: كانوا على الهدى جميعًا - يعني: على الحق - فاختلفوا. لا بد من التقدير، وقرأ بها ابن مسعود، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} فكان أول من بعث نوحًا عليه السلام، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولًا. وقال العوفي عن ابن عباس: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} . يقول: كانوا كفارًا. لكن هذا مرجوح كانوا كفارًا، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} . قال ابن كثير: والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومتنًا، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله نوحًا عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
إذًا ظاهر كلام ابن عباس هنا مرجوح إن كان هذا اللفظ محفوظًا عنه رضي الله تعالى عنه. فالمراد بالناس، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً} في الآية القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوحٍ، هذا ما يتعلق بأثر ابن عباس.