قال في (( التيسير ) ): وبالجملة فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر. هذا معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، شهادة أن محمدًا رسول الله لها معنى كما أن لا إله إلا الله لها معنى، أليس كذلك؟ كما نأخذ معنى لا إله إلا الله من الشرع من دلالة الشرع ونقول: الله عز وجل أمر بـ لا إله إلا الله وفسرها، كذلك أمر بشهادة أن محمد رسول الله وكذلك فسرها، ولذلك ما أجمل ما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في معنى هذه الشهادة: بأنه تصديقه فيما أخبر. فما من خبر جاء به فحينئذٍ الواجب هو تصديقه وقبول خبره، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وتحكيمه وحده، والرضا بحكمه، وأن لا يُتَخَذَ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله، فما وافقها من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل، وما خالفها رده أو تأوله أو أعرض عنه، هذا إذا كان ثَمَّ ما يُعرض على ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ يكون طاغوتًا، وكيف إذا لم يرجع إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( «فقولوا: عبد الله ورسوله» ) . بيان أن هذين الوصفين أصدق وأشرفه في الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لو كان أعلى ما يمكن أن يوصف به النبي - صلى الله عليه وسلم - لأرشدهم إليه، وهنا المعنى والتوجيه شرعي، يعني: بيان حكم شرعي ( «لا تُطْروني إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» ) لو كان ثَمَّ وصف أعلى من ذلك لكان المقام يقتضي بيانه، فلما عدل عن كل وصف وذكر هذين الوصفين تعين أن نقول بأن هذين الوصفين أعلى وأشرف ما يُقصد به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أردت أن تُعظم نبيك عليه الصلاة والسلام فقل: عبد الله ورسوله. بيان أن هذين الوصفين أصدق وصف وأشرفه للرسول - صلى الله عليه وسلم - فأشرف وصف للإنسان عمومًا أن يكون من عباد الله تعالى، أن يكون عبدًا لله تعالى، قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] . عباد الرحمن كونك واحدًا منهم هذا شرف أيُّ شرف. وقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171] . {لِعِبَادِنَا} قَدَّم وصف العبودية على الرسالة مع كون الرسالة وصف شريف، لكن أشرف منه ماذا؟ وصفه بالعبودية فلا يخرج عنه أحد البتة، فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن لكونهم عبادًا لله تعالى أشرف وأعظم من وصف الرسالة، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - عبدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يُكَذَّب. هذا حقه - صلى الله عليه وسلم - فيجب الإيمان به والتصديق وعدم مخالفته البتة.
قال ابن السعدي رحمه الله تعالى:(واعلم أن الحقوق ثلاثة:
حق خاص لله تعالى لا يشاركه فيه مشاركٌ أيًّا كان، لا ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل. فلا يُشْرَكُ فيه غيره تعالى لا ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل).