قال رحمه الله تعالى: (وهو التأله له، وعبادته وحده لا شريك له، والرغبة والإنابة إليه حبًّا وخوفًا ورجاءً) . يعني ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، هذا حق لله تعالى لا يَشْرَكُهُ فيه من خلقه أحد البتة لا ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل. الثاني قال: (وحق خاص للرسل) . لأنهم وإن كانوا بشرًا لكن ليسوا كسائر البشر، (وحق خاص للرسل وهو توقيرهم وتبجيلهم والقيام بحقوقهم الخاصة) ، حقوقهم الخاصة لو كانوا أحيانًا أو كانوا أمواتًا.
وحق مشترك هذا الثالث، حق لله، حق للرسل، حق مشترك، يعني بين الرسل وبين غيرهم، وحق مشترك وهو الإيمان بالله ورسله وطاعة الله ورسله، الإيمان بالله، ورسله، إذًا الإيمان قدر مشترك بين الله تعالى وبين رسله وطاعة الله وطاعة رسله، إذًا الطاعة قدر مشترك بين الله تعالى وبين رسله، ومحبة الله ورسله، يعني: محبة رسله، ولكن هذه لله أصلًا وللرسل تبعًا لحق الله، يعني محبتهم تابعة لمحبة الله تعالى، وطاعتهم تابعة لطاعة الله تعالى. إذًا الحق المشترك الأصل فيه أنه لله تعالى، وما أُمِنَ برسول إلا لكونه مرسلًا من عند الله تعالى، إذًا من الذي أمرنا بالإيمان به؟ الله عز وجل، فيكون الإيمان تابعًا للإيمان بالله تعالى، وكذلك الشأن في الطاعة.
قال رحمه الله تعالى: فأهل الحق يعرفون الفرقان بين هذه الحقوق الثلاثة فيقومون بعبودية الله وإخلاص الدين له ويقومون بحق رسله وأوليائه على اختلاف منازلهم ومراتبهم، والله أعلم. وهذه الحقوق الثلاثة دل عليها قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} . هذا حق مشترك {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} هذا خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء مثله، {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} هذا خاص بالله تعالى. إذًا هذه الآية جمعت الحقوق الثلاثة {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا حق مشترك وهو الإيمان، {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} وهذا خاص برسله - صلى الله عليه وسلم -، {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} وهذا خاص بالله تعالى، والذين يغلون في الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجعلون حق الله تعالى له، ولذلك فسروا هذه الآية {وَتُسَبِّحُوهُ} تسبحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي يُسبح، وهذا شرك أكبر.
والحكمة من النهي في قوله: ( «لا تُطروني» ) . لأن الإطراء والغلو يؤدي إلى عبادته، وعنوان الباب ماذا؟ أن الغلو سبب للوقوع في ماذا؟ في كفر بني آدم، إذًا الغلو عام قلنا: منه ما هو شرك، ومنه ما هو وسيلة إلى الشرك، وقد يكون بعضه أدنى من ذلك، المراتب تحتمل أنها ثلاثة، إذًا ما كان شركًا فهو واضح النهي عنه وبيان أنه سبب، يعني ما كان أصله والقول نفسه والفعل نفسه شركًا واضح بين، وما لم يكن شركًا يكون وسيلة إلى ماذا؟ إلى الوقوع في الشرك، فحينئذٍ نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل ذلك، إذًا الحكمة من النهي في قوله: ( «لا تطروني» ) . لماذا نهى عليه الصلاة والسلام؟ لأن الإطراء والغلو يؤدي إلى عبادته كما هو الواقع في هذه الأمة.