سادسًا: شدة خوفه - صلى الله عليه وسلم - من الشرك والتحذير عنه.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى الحديث الرابع والأخير: (ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هلك المتنطعون» . قالها ثلاثًا) .
(ولمسلم) يعني: فيما أخرجه الإمام مسلم في الصحيح (عن ابن مسعود أن) كما ذكرنا فيما سبق.
وَمَنْ رَوَى بِـ"عَنْ"وَ"أَنَّ"فَاحْكُمِ ... بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ
قوله: ( «هلك المتنطعون» ) . قال الخطابي: (المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم) . يعني هذا في باب المعتقد كالأسماء والصفات، إذا بحث وسأل عن شيء لم يبحث ولم يسأل عنه الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ يكون من المتنطعين، أليس كذلك؟ إذا سأل من أجل أن يسأل فقط لا من أجل أن يرد على المخالف مثلًا فلا بأس بالسؤال، إذا سأل من أجل أن يرد على المخالف فلا إشكال في استحسانه، بل قد يكون واجبًا، لكن إذا سأل من باب التعلم والاعتقاد حينئذٍ نقول: هذا يعتبر من باب التنطع، لذلك خصّ الخطابي هنا ما يتعلق بأهل أو مذاهب أهل الكلام، المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. وهو البحث في الكنه، كنه الصفات وغيرها.
وقال أبو السعادات: (هم المتعمقون الغالون في الكلام) . من جهةٍ أخرى يعني ما يكون تعمق من حيث الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم مأخوذٌ من النِّطَع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم اسْتُعْمِلَ في كل متعمقٍ قولًا وفعلًا، يعني يكون في باب الكلام، ويكون في باب الاعتقاد، ويكون في باب التعبد، كل ما تعمق في شيءٍ ولم يثبت من جهة الشرع التعمق فيه فهو داخلٌ في النص.