فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 2014

وقال غيره: (هم الغالون في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشرعية) . هو هذا الضابط: كل ما خرج عن الشريعة فهو إما غلوٌ وإما تنطع، والتنطع داخلٌ في مفهوم الغلو. (هم الغالون في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشرعية ويسترسل مع الشيطان في الوسوسة) . وكل هذه الأقوال صحيحةٌ ثابتة فإن المتكلفين من أهل الكلام متنطعون، والمتقعرون في الكلام ومخارج الحروف متنطعون، والغالون في عبادتهم متنطعون، كل ذلك خارجٌ عن ماذا؟ عن هَدْيِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبالجملة فالتنطع التعمق في كل قولٍ وفعلٍ كما قاله أبو السعادات. قال النووي: فيه يعني في الحديث كراهة التقعر في الكلام بالتشدق. ( «هلك المتنطعون» ) في كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة، ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام، ونحوهم. يعني فيما لا ينبني عليه مصلحةٌ شرعية، وأما إذا بُنِيَ عليه مصلحةٌ شرعية حينئذٍ يكون محمودًا لا مذمومًا، لكن قوله: فيه كراهة. إن قصد بالكراهة التحريم فهو مسلمٌ وإلا فلا؛ لأن قوله: ( «هلك المتنطعون» ) يدل على ماذا؟ على أنه محرم وليس بمكروه، فحينئذٍ التنطع محرمٌ وليس بمكروه. قوله: فيه كراهة التقعر فيه نظرٌ، بل الصواب أنه محرمٌ لأنه حكم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهلاك، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يوضح أن التعمق في الأشياء والغلو فيها يكون سببًا للهلاك، ومراده النهي عن ذلك، حينئذٍ يكون محرمًا لا يكون مكروهًا لكن الذي جعل النووي يقول بالكراهة كعادته هو وغيره بأن ما جاء فيما يتعلق بالآداب يُحمل على ماذا؟ على الكراهة وهذا ليس بصوابٍ، بل كل صيغة نهيٍ حينئذٍ محمولةٌ على التحريم سواء كان في مقام العبادات أو في مقام الآداب لأن ما دل على التحريم عام عندما نقول الدليل هو كذا وكذا، هذا يبحث في فن الأصول، نقول: الأدلة عامة مطلقة لم تفصل بين ما يتعلق بالعبادات وبين ما يتعلق بالآداب، حينئذٍ إذا قيل بأن النهي إذا كان متعلقه الأدب فهو محمولٌ على الكراهة، هذا تخصيصٌ بغير مخصص، وكذلك الشأن في ماذا؟ في صيغة افعل، التفصيل بأن ما كان متعلقه العبادات فهو الوجوب، وما كان للآداب فهو للندب، نقول: هذا التفصيل وليس بصواب، لأن الأدلة دلت على أن مطلق افعل للوجوب، حينئذٍ نحتاج إلى مخصص وليس ثَمَّ مُخَصِّص، وهذا اجتهاد في مقابلة النص، وهذا مَرّ معنا في بيان الأدلة على كلٍ من المسألتين.

(قالها ثلاثًا) . أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغةً في التحذير والتعليم وقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام.

مناسبة الحديث للباب: أن التنطع في الغلو المنهي عنه لما فيه من الخروج إلى ما يُوصل إلى الشرك بالله عز وجل.

ويستفاد أيضًا من الحديث:

أولًا: الحث على اجتناب التنطع في كل شيء لاسيما العابدات وتقدير الصالحين. حتى العلماء إنما يكون المعاملة معهم بالشرع فلا يُرفعون فوق منزلتهم.

الثانية: الحث على الاعتدال.

ثالثًا: شدة حرصه - صلى الله عليه وسلم - على نجاة أمته واجتهاده بالإبلاغ عليه الصلاة والسلام.

قوله: (فيه مسائل) أي في الباب مسائل تؤخذ منه، وهو أشبه ما يكون كالشرح للباب قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت