فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 2014

(الأولى: أن من فَهِمَ هذا الباب وبابين بعده، تبين له غُرْبَة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب) وهذا فيه إرشادٌ من المصنف إلى مزيد عناية بهذا الباب. يعني معرفة الترجمة، معرفة أن الغلو كيف أوصل الناس إلى الوقوع في الشرك، وهذا يؤخذ من دراسة القصص التي أوردها الباري جل وعلا من أولئك المشركين في القرآن وكيف وقعوا في الشرك، حينئذٍ معاملة الأنبياء لأقوامهم مما يعين على فهم وضبط هذا الباب.

قلنا: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، يعني: الذي يأتي معنا، العشرون والحادي والعشرون، باب ما جاء من التغليظ في من عَبَدَ الله عند قبر رجلٍ صالح فكيف إذا عبده كيف إذا عبده يعني: من العنوان أنه جاء تغليظ في مَنْ عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح لم يعبد القبر ولم يعبد هذا الرجل الصالح إنما عَبَدَ الله جاء التغليظ، فكيف إذا عَبَدَ صاحب القبر من بابٍ أولى وأحرى. الباب الثاني باب ما جاء عند الغلو وفي قبور الصالحين يُصَيِّرُهَا أوثان تُعْبَدُ من دون الله، هذا تخصيص لهذا الباب، البَاب الذي معنا عام، والباب الآتي تخصيصٌ فهو ذكرٌ لبعض أفراد هذا العام، فمن فهم هذا الباب الذي معنا (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين) فمن فَهِمَ أن سبب الكفر هو الغلو في الصالحين والتغليظ في من عَبَدَ الله عند قبر رجلٍ صالح، وأن الغلو في قبور الصالحين يجعلها أوثان تُعْبَدُ تبين له غربة الإسلام، لكون أكثر الخلق جعلوا مثل هذا هو أعظم الأفعال والأعمال وكَفَّرُوا مَنْ نَهَى عنه، يعني: إذا فهمت هذا الأبواب ونظرت في الواقع حينئذٍ وجدت ماذا؟ وجدت أن ما تَلَبَّس به أكثر الخلق هو ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ما ورد تحت هذه الأبواب الثلاثة، وجعلوه هو التوحيد الخالص، ومن نهى عن هذه الكفريات كَفَّرُوه وجعلوه مخالفًا للتوحيد، فجعلوا الإسلام كفرًا وشركًا، وجعلوا الكفر إسلامًا، عَمِيَتْ عليهم.

قال هنا: تَبَيَّنَ له غربة الإسلام لكونه أكثر الخلق جعلوا مثل هذا هو أعظم الأعمال وكَفَّرُوا من نهى عنه. وهذا من قدرة الله وتقليبه للقلوب لما أعرضت عن الشرع ولم تؤمن به كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} ... [الأنعام: 110] .

الثانية: معرفة أن أول شركٍ حدث على وجه الأرض كان بشبهة الصالحين. أول شركٍ ما هو؟ الذي مرّ معنا في قصة قوم نوح، هذا أو شركٍ لأن نوحًا عليه السلام أول رسولٍ بُعِثَ إلى أهل الأرض. إذًا متى ما وقع الشرك نقول لما بعث نوحٌ عليه السلام كان قبله بزمنٍ يسير وقع الشرك فأرسله الله تعالى، أي لما غلا هؤلاء في الصالحين حدث الشرك في من بعدهم بسببه، فهذه الأصنام التي عبدها قوم نوحٍ كانت صورًا لأقوام صالحين فحدث الغلو فيهم، ثم عُبِدُوا من دون الله ففيه الحذر من الغلو في الصالحين كما مر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت