فأما الزيارة الشرعية فهي الزيارة السنية التي لا يكون فيها شد الرحال للقبور، لأن ذلك محرم، لِمَا في الصحيحين عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» ) ، فحينئذٍ إذا خلت من ذلك مع عدم وجود المحاذير فهذه زيارة شرعية، ولم يقل هُجْرًا كما جاء في النص يعني: لم يقل محذورًا شرعًا يعني: قولًا باطلًا من جهة الشرع، يعني كلامًا باطلًا، لِمَا في السنن من حديث بريدة قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: ( «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا» ) . وأصله في مسلم، وفي روايةٍ: «فإنها تذكر الآخرة» ، ... «وتذكركم الآخرة» . بالوجهين، كان النهي أولًا لا لقرب عهدهم من الجاهلية، وقوله ع: ( «كنت نهيتكم» ) ، ثم قال: ( «فزورها» ) أذن فيها، فحينئذٍ الناس الناسخ والمنسوخ في نص واحد، أليس كذلك؟ في نص واحد فكان النهي أولًا لقرب عهدهم من الجاهلية، وربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه واشتهرت معالمه أُبِيحَ لهم الزيارة واحتاط - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( «ولا تقولوا هجرا» ) . قاله النووي رحمه الله تعالى مع ما سبق ذكره من الدعاء لهم بالرحمة والعفو والمغفرة والاتعاظ وتذكر الآخرة، كما جاء في النص ( «فزورها فإنه تذكركم الآخرة» ) وهذا كله يبين لك ضوابط الزيارة الشرعية.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى المقبرة فقال: ... ( «السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» ) . رواه أحمد ومسلم والنسائي.
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ع يعلمهم إذا خرجوا للمقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجة، زاد مسلم في روايةٍ من حديث عائشة: ... (يرحم الله المتقدمين منا ومنكم والمتأخرين) . وهذا أدبٌ في السلام على الوجه الذي ذُكِرَ، وكان الصحابة إذا أتوا قبره - صلى الله عليه وسلم - صلوا وسلموا عليه فحسب، كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وهذا كله يُبَيِّنُ المأذون من غيره، وكذا التابعون ومن بعدهم من أعلام الهدى لم يُذكر عنه في زيارة القبور غير العمل بهذه الأحاديث النبوية وأفعال الصحابة، فهذه هي الزيارة الشرعية، فمن ادَّعَى غير ذلك طُولِبَ بالدليل ولا دليل، يعني ينظر فيما جاء الشرع ونقول: هذا قد يختلف في بعض النصوص هل هو ثابت أو لا حينئذٍ الاختلاف سائغ، حينئذٍ نقول: ما دلت عليه النصوص والعمل به هو الزيارة السنية.
لكن يبقى هل يختص أو تختص الزيارة بقبر المسلمين أو أنه يعم، يعني: هل يزار قبر الكافر حينئذٍ تكون داخلةً في الزيارة الشرعية أو لا؟