إذًا لا تختص الزيارة بقبور المسلمين، بل الكافر كذلك يزار، لكن لا يستغفر لهم ولا يُدْعَى لهم حينئذٍ ما الحكمة؟ نقول: ما جاء في النص السابق «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» . فإذًا الحكمة في الإذن هنا شيء واحد، وفيما إذا زار قبور المسلمين دَعَى كان محسنًا لهم ومحسنًا لنفسه، وهنا في زيارة قبور الكافرين كان محسنًا لنفسه فقط وليس محسنًا لهم، ولذلك نقول: الحكمة كما قال - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» .
هذه هي الزيارة الشرعية السنية المقصود منها نفع الأموات والاعتبار بحالهم، نفع الأموات وهو كذلك هم ينتفعون وليس الزائر هو الذي ينتفع بالأموات، وإنما ماذا؟ هم ينتفعون بزيارة الزائر فيدعو لهم، وهو كذلك يُحْسِنُ لنفسه.
المقصود منها نفع الأموات والاعتبار بحالهم وتحصيل الثواب بإتباع السنة.
وأما الزيارة البدعية فضابطها أن يفعل عندها وبها، عندها وبها - انتبه - لأنه قد يتخذ المقبور وسيلة لكن لا يصل به إلى حد العبادة، فحينئذٍ يكون وسيلة إلى الشرك يكون بدعةً، ضابطها أن يفعل عندها وبها ما هو وسيلة إلى الشرك ولم يبلغ رتبة العبادة، فيكون القصد منها الانتفاع بالأموات بما لا يصل إلى حد الشرك الأكبر كأن يقصد الدعاء لنفسه عندها، يعني إذا زار القبر لقصد أن يدعو لنفسه، إذًا فرق بين أن يقصد القبر للاتعاظ والاعتبار وأن يدعو له، فإذا قصد أن يدعو لنفسه فالصحيح في هذه المسألة أنه يعتبر من البدع، لماذا؟ لأنه ما قصد ذلك إلا لاعتقاده في نفسه بتلك البقعة، حينئذٍ صار محظورًا، وإنما القصد يكون لانتفاع الأموات، أما هو فلا ينتفع إلا بالإحسان إليهم، ولذلك يدعو لهم، فحينئذٍ يكون ماذا؟ نقول: كأن يقصد الدعاء لنفسه عندها، أو يفعل غير ذلك من العبادات كالصلاة أو الصدقة أو قراءة قرآن، ولو أراد به وجه الله تعالى لأنه لم يخصص هذه البقعة إلا لغرض في نفسه، ولو ادَّعَى أنه ما يعتقد شيئًا، لو ادَّعَى أنه لا يعتقد شيئًا نقول: لا تعتقد شيئًا، التخصيص بغير مخصص يدل على اعتقاد علمت به أو لم تعلم به، سلمت به أو لم تسلم. نقول: هذا يعتبر ماذا؟ يعتبر تخصيصًا يحتاج إلى دليل، كذلك التوسل إلى الله بهم وكذلك إسراجها ورفعها ونحو ذلك، وأما الزيارة الشركية فهي أن يدعو المقبور نفسه من دون الله تعالى، يعني: يصرف له عبادة أن يدعو المقبور نفسه من دون الله تعالى بأن يسأله ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل من جلب خير أو دفع ضر، ونحو ذلك، وهذا هو الشرك الأكبر بعينه، حينئذٍ نقول: الزيارة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.
(باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده) ذكر المصنف رحمه الله تعالى أربعة أحاديث تحت هذه الترجمة.