إذًا أشر هذا الأصل، لكثرة الاستعمال استثقلت الهمزة فحذفت قيل: شَرّ، أَخْيَر أَفْعَل هذا الأصل، كَثُرَ استعماله فاستثقلت الهمزة على لسان فحذفت، قيل: خير. شرار جمع شرّ، وخيار جمع خير، وإنما سموا بذلك لضلالهم شرار الخلق لماذا؟ سموا بذلك لضلالهم وسَنِّهِم لمن بعدهم الغلو في قبور صالحيهم حتى أفضى بهم ذلك الغلو إلى عبادتها، وهذا أعظم الظلم وأشده، فما كان وسيلةً إليه فإن صاحبه جديرٌ بأن يكون من شرار الخلق عند الله تعالى، يعني سنَّوا سنة سيئة ولذلك أطلق عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إنهم «شرار الخلق» . وهذا عامٌ ليس خاص بألئك القوم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ذكر إلا من أجل ماذا؟ تحذير هذه الأمة فدل على أن المعنى مراد هنا، وهذا عامٌ في من فعل فعلهم من هذه الأمة، وأي زجرٍ وأي تغليظٍ وتقريعٍ وتعييرٍ أبلغ من هذا، وهم إنما صَوَّرُ صورهم ليتأسوا بها ويتذكروا أفعالهم الصالحة - كما مر معنا - ولذلك قال: ( «الرجل الصالح» أو «العبد الصالح» ) ، إذًا لماذا صوروا صورهم؟ كما هو الشأن في قوم نوح. قال القرطبي: وإنما صور أوائلُهم بالرفع، ليتأسَوا بها ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلفهم قومٌ جهِلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك، ولا شك في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر عن مثل ذلك وأنذر وأبدى وأعاد. أولًا بالبناء على القبور، ثم بالتصوير، ثم بكونهم شرار الخلق سدًا للذريعة المؤدية إلى الشرك.
إذًا البناء على القبور ممنوع.
ثانيًا: التصوير ممنوع.
ثالثًا: وصفه بماذا بكونه شرار الخلق.
فذمهم على كونه بنو على القبور ذكره ذمًّا، وكذلك التصوير ذكره ذمًّا، ثم وصفهم بأنهم شرار الخلق، هذا تكرار وإعادة. وقوله: ( «أولئك شرار الخلق عند الله» ) مقتضاه ماذا؟ مقتضاه تحريم ما ذكر من بناء المساجد على القبور لأنه إذا كان شرار الخلق إذًا لا يفعلون إلا ماذا؟ ما يتقربون به إلى الله عز وجل أو ما يبتعدون به عن الله؟ الثاني، فحينئذٍ يدل على أنه محرم وليس بمأذون فيه، إذًا مقتضاه تحريم ما ذكر من بناء المساجد على القبور وزخرفتها، يعني القبور وإسراجها وعبادة الله عندها، أو تعليق شيءٍ من الصور عليها.
قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم ويجعلونها قبلةً يتوجهون بالصلاة نحوها واتخذوها أوثانًا لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنع المسلمين عن مثل ذلك واللعن يدل على ماذا؟ على التحريم، نهى ولعن، واللعن يدل على التحريم، وهذا سيأتي في الحديث الآتي.