قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حبيب الله. إبراهيم خليل الرحمن هكذا خليل الله، ومحمد حبيب الله فرَّقوا بينهما، يظنون أن المحبة أعلى من الخلة وهذا جهل، فمن جهلهم فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله قد اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليلٌ غير ربه مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم، إذًا أخبر بمحبتهم ونفى خلتهم، بل نفى الخلة عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وأيضًا فـ {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ويحب الصابرين، وخلته خاصةٌ بالخليلين، أليس كذلك؟ فحينئذٍ دل ذلك على أن الله تعالى يحب التوابين، نقول: يحب التوابين ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، إذًا لاستوى محمد - صلى الله عليه وسلم - وغيره ليس المراد هذا المعنى، وإنما المراد أن الْخُلّة أعظم درجة من المحبة، فالمحبة مشتركة بينه وبين غيره في الجملة في الأصل، وفيه جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا ذكر شيئًا يتعلق به عليه الصلاة لأن الله اتخذه خليلًا، إذًا لا نقول: زَكَّى نفسه، وإنما نقول ماذا؟ أخبر بشيء تتعلق به ماذا؟ تتعلق به مصلحة شرعية، وهذا لا إشكال فيه، وهذا جائز، والشأن عام هنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة في ذلك، والكاف في قوله: (كما اتخذ إبراهيم خليلًا) للتشبيه، أليس كذلك؟ للتشبيه، ولا نقول: استقصائية لأنه ذُكِرَ ما قبله وما بعده لا تكون كذلك، يعني: لا تكون استقصائية ما بعد الكاف، لماذا؟ لأنه لم يذكر إلا الخليل إبراهيم عليه السلام، بقي من؟ بقي محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، وثبت النص بذلك في قوله: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] قوله - صلى الله عليه وسلم: (ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا) لو حرف امتناع للامتناع، أمتنع هذا لامتناع ما عليه، امتناع الجواب لامتناع الشرط، وعليه امتنع - صلى الله عليه وسلم - من اتخاذ أبي بكر خليلًا، لماذا؟ لامتناع أن يتخذ من أمته خليلًا. هذا هو المعنى.
وفيه إثبات فضيلة الصديق رضي الله تعالى عنه إذ لو كان نبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الفرض والتقديم متخذًا خليلًا لاتَّخَذَ أبا بكر خليلًا. وفي مسلم: ... «ولكن أخي وحبيبي» . أثبت له المحبة ونفى عنه الْخُلّة. إذًا لو كانت المحبة هي الخلة كيف أثبتها ونفاها، نفى الخلة وأثبت المحبة «ولكن أخي وحبيبي» . أثبت المحبة. إذًا المحبة أعم من الخلة والخلة خاصة فهي منفيةٌ عن أبي بكرٍ انتفاء الخاص وأثبت له العام.