قال البغوي: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، وأباح الله تعالى لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا تخفيفًا عليهم وتيسيرًا. وعلى هذا أو ذاك سماه مسجدًا ولا إشكال فيه، وهذا من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.
والشاهد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَمَّى الأرض مسجدًا، ولست مسجدًا مبنيًا، لكن لَمَّا كانت يُسجد فيها سميت مسجدًا فدل هذا الحديث على أن من صلّى عند القبور أو إليها فقد اتخذها مساجد. وقوله: ( «وطهورًا» ) . أراد به التيمم تفصيله في موضعه من كتب الفقه فدلت هذه الأحاديث على تحريم البناء على القبور مطلقًا لأنه وسيلة إلى الشرك وهو عبادة صاحب القبر، ولا يجوز أيضًا أن تقصد القبور للصلاة عندها وهذا من اتخاذها مساجد لتحقق العلة في الصلاةِ عندها. يعني: أنها وسيلة إلى الشرك الأكبر.
مناسبة الحديث للباب: فيه النهي عن اتخاذ القبور أمكنةً للعبادة لأنه وسيلةٌ للشرك كما تفعل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل البدع.
يستفاد من الحديث:
أولًا: النهي عن ذلك فلا تتخذ القبور أمكنةً يصلى عندها أو إليها ويُبنى عليها مساجد أو قباب حذرًا من الوقوع في الشرك.
ثانيًا: سد الذرائع المفضية إلى الشرك.
عقد المصنف الباب بذلك، والباب الآتي والثالث كذلك، فسد الذرائع هذه قاعدة من القواعد المهمة الكبار.
ثالثًا: إثبات المحبة لله على ما يليق بجلاله، المحبة هي المحبة، وهي صفةٌ ثابتةٌ لله تعالى بإجماع السلف.
رابعًا: فضل الخليلين محمدٍ وإبراهيم عليه الصلاة والسلام.
خامسًا: فضل أبي بكر الصديق وأنه أفضل الأمة في الإطلاق.
سادسًا: فيه دليل على خلافة أبي بكر الصديق، وحينئذٍ نقول: خلافته ثابتةٌ بالنص وليس بالاجتهاد على الصحيح في المسألة، ثَمَّ نصوص تشير إلى ذلك.
والدلالة ثلاثة أنواع:
دلالة مطابقة، دلالة تضمن، دلالة التزام.
دلالة المطابقة لم يأت النص أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكرٍ خليفتي ما جاء النص، وإنما فيه إشارات، إما بدلالة تضمن، وإما بدلالة الالتزام.