وفي صحيح مسلم (نهى أن يجصص القبر وأن يُبنى عليه) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا فرق بين الجديدة والعتيقة. يعني لا فرق بين النهي الصلاة في القبور الجديدة والمقبرة الجديدة والعتيقة يعني قديمة، انقلبت تربتها أو لم نتقلب، هذا بناء على ماذا؟ على أن التعليل بالنجاسة قاله بعض الفقهاء، ولا فرق بين أن يكون بين بينه وبين الأرض حائلًا أو لا لعموم الاسم وعموم العلة، وإن كان موضع قبرٍ أو قبرين، ولذلك الصحيح كما مر معنا في شرح الزاد أن ما كان في قبر واحد يُسَمَّى مقبرة، كل موضعٍ قُبِرَ فيه ولو واحد نقول: هذه يُسمى مقبرة. ولو صورت ولم يُقبر وسميت مقبرة ووضع عليها لوحة مقبرة، نقول: ليست مقبرة. يجوز الصلاة فيها لأن العبرة بماذا؟ ليست بالأسماء، العبرة بماذا؟ هل قُبِرَ فيها بالفعل أم لا؟ أما بالقوة وتؤول إلى ذلك لا أثر له في حكم الشرع. قال: لأنه لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم أن قبورهم لا تنجس فمن علق النهي بنجاسة التربة خاصة فهو بعيدٌ عن مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا تجوز في مسجدٍ بُنِيَ في مقبرةٍ سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفًا مطلقًا.
وفي صحيح مسلم قال - صلى الله عليه وسلم: «لا تصلوا إلى القبور» . ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرةٍ مسبلةٍ أو مملوكةٍ إلا أنه في المسبلة أشد، على كلٍّ، المراد ماذا؟ أن القبر الواحد والاثنان وما زاد، بقطع النظر عن وصفٍ آخر، قديمة ليست قديمة، ثَمَّ حائل أو لا؟ نقول: النصوص هنا مطلقة. حينئذٍ الحكم يُنَزّل عليها مباشرةً. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء أو الصالحين أو الملوك وغيرهم تتعين إزالتها بهدمٍ أو بغيرها، كل مسجدٍ بُنِيَ على قبرٍ فهو باطل يجب إزالته لا حرمة له، يجب إزالته يعني هدمه، أو بغيره يعني: ماذا؟ تحويله مستودع أو شيء من ذلك لكن لا يبقى ماذا؟ محلًا للعبادة، فإما أن يهدم، وإما أن يُغَيّر بمعنى أنه يُستعمل في أشياء تتعلق بالدنيا ونحوها. وهذا يقول شيخ الإسلام: هذا. يعني وجوب إزالته، وجوب هدم المساجد التي على القبور يقول: هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين. أما غير المعروفين فلهم صولات وجولات.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من اتخاذ القبور مساجد يُصلى عندها أو إليها لأنه ذريعة إلى الشرك.
ويستفاد:
أولًا: التحذير عن الصلاة عند القبور لأنه وسيلة إلى الشرك.
ثانيًا: أن من اتخذ قبور الصالحين مساجد للصلاة فيها فهو من شرار الخلق، وإن كان قصده التقرب إلى الله، بل وإن لم يُشْرِكُ لأنه فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، [والوسائل لها أحكام المقاصد] .
وعليه شر الناس في هذا الحديث قسمان:
القسم الأول الذين تدركهم الساعة وهم أحياء.
الثاني: الذين يتخذون القبور مساجد.
[رابعًا أو] ثالثًا: أن الساعة تقوم على شرار الخلق.