قال المصنف رحمه الله تعالى: (روى مالك في(( الموطأ ) ): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ). هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلًا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله، وعطاء ليس بصحابي، وإسناده صحيحٌ إلى عطاء، فمن يقبل المرسلات مطلقًا عن الثقات الحديث عنده حجة. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به ولم يذكر عطاء. يعني: رواه مرسلًا عن زيد بن أسلم، وقد رُوِيَ موصولًا من حديث أبي سعيدٍ الخدري، ومن حديث أبي هريرة، يعني له طريقان مسندان، أما حديث أبي سعيد فقد رواه البزار عن عمر بن محمد عن زيد بن عطاء عن زيدٍ عن عطاء عن أبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا به، وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن خطاب ثقةٌ من أشراف أهل المدينة. قال ابن عبد البر: وعمر ابن محمدٌ ثقةٌ روى عنه الثوري وجماعة. قال في (( التيسير ) ): فالحديث صحيحٌ عند من يحتج بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمدٍ له بلفظٍ موطأ سواءً وهو ممن تقبل زيادته. يعني حديث ثابت صحيح، وله شاهد عند أحمد وغيره من طريق سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: ( «اللهم لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) . وإسناده صحيح.
إذًا الحديث ثابت وهو حجة فيما جاء فيه.
قوله: (روى مالك) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه معروف ومشهور إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة وأحد الحفاظ. قال أحمد: مالكٌ أثبت في كل شيء. وقال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر. سلسلة الذهب. وُلِدَ سنة ثلاثٍ وتسعين ومات سنة تسعٍ وسبعين ومائة. قوله: (في(( الموطأ ) )) كتابٌ مشهور له رحمه الله تعالى اشتهر في عصره حتى قال الشافعيّ رحمه الله تعالى: ما تحت أديم السماء كتابٌ أكثر صوابًا بعد كتاب الله تعالى من موطأ مالك. هذا قبل وجود الصحيحين قبل البخاري ومسلم، وله شروحٌ معروفة، شرحه ابن عبد البر (( التمهيد ) )، و (( الاستذكار ) )، و (( المنتقى ) )كذلك لأبي الوليد الباجي، الأول محدث والثاني أصولي والجمع بينهما جيد.