(أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» ) خاف - صلى الله عليه وسلم - أن يقع في أمته ذلك كما وقع من اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم كما مر معنا مرارًا في الباب السابق، فَرَغِبَ إلى ربه أن لا يجعل قبره وثنًا يُعبد. إذًا لماذا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن من كان قبلنا من الأمم فُتِنُوا بقبور أنبيائهم فخاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأمة فدعا الله تعالى فاستجاب الله دعاءه. ( «اللهم» ) قوله: ( «اللهم» ) أصلها يا اللهُ، فحُذِفَ حرف النداء ليُبْتَدَئُ باسم الله تعالى يعني لا يتقدم عليه شيء وعُوِّضَ عنها الميم الدالة على الجمع فكأن الداعي جمع قلبه على الله تعالى، لذلك جعلت الميم آخرًا، لئلا يبدأ بماذا؟ بشيءٍ قبل اسم الله تعالى، اللهم يا اللهُ، وهذا دعاءٌ منه - صلى الله عليه وسلم - وقد استجاب الله دعاءه فمنع الناس من الوصول إلى قبره لئلا يُعبد فصان قبره وأحاطه بثلاثة جدران مثلثة كما بينا البارحة، لا يستطيع أحدٌ الوصول إليه ولا استقباله كما سبق بيانه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدرانِ
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزةٍ وحمايةٍ وصيان
وقوله: الحديث (لا تجعل) لا هذه دعائية لأنها من أدنى إلى أعلى، والأصل فيها أنها لا الناهية، لكن إذا كان من أدنى إلى أعلى يسمى أدبًا يسمى دعاءً، ولا يسمى نهيًا ولذلك جزم الفعل مع لا تجعل مجزوم لأن الأصل هذه لا الناهية، لكن أدبًا لا يقال بأنها ناهية إنما يقال لا الدعائية، فهي للدعاء كقوله: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77] {لِيَقْضِ} اللام هذه لام الأمر لكن في مقام الدعاء لا تُسمى لام الأمر. إذًا (لا تجعل) لا دعائية و (تجعل) هذا يعني تُصَيِّر وتتعدَّى إلى مفعولين «قبري» . هو المفعول الأول، «وثنًا» . هو المفعول الثاني لا تُصَيِّر قبري وثنًا، قبري وثنٌ هذا الأصل ودخلت جعل على المبتدأ والخبر فنصبت الأول على أنه مفعولٌ أول ونصبت الخبر يعني نصبت الاسم المبتدأ على أنه مفعولٌ أول، ونصبت الخبر على أنه مفعولٌ ثاني، هكذا، و (يُعْبَد) هذه صفة لـ «وثنًا» . و «وثنًا» . معبودًا، هل هناك وثن غير معبود؟ لا، إذًا هذه صفة كاشفة، ليس عندنا وثنُ يعبد ووثنُ لا يعبد، كل وثنٍ فهو معبود إذًا يُعبد صفةٌ لوثن وهي صفةٌ كاشفة، يعني وثنُ قد عُبِدَ لأنه عُبِدَ، لماذا سمي وثنًا؟ لكونه عُبِدَ من دون الله ولذلك الصفة الكاشفة كالتعليل للموصوف، لماذا سُمِّي وثنًا؟ لماذا صار وثنًا؟ لأنه عبد. إذًا جملة عُبِدَ هذه وإن كانت صفة كاشفة لكن يُستفاد منها التعليل للموصوف، لماذا سمي وثنًا؟ لأنه يعبد من دون الله تعالى. إذًا يُعبد صفةٌ لـ (وثن) وهي صفةٌ كاشفة، وعلة الدعاء وسببه كما سبق أن من كان قبلنا صَيَّرُوا قبور أنبيائهم مساجد وعبدوا صالحيهم فخاف النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقع في أمته ما وقع في تلك الأمم.