وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها حتى اتُّخِذَتْ دينًا يُضَلَّلُ من أَنْكَرَ عبادتها، ومر معنا شيءٌ من ذلك. قوله: ( «اشتد غضب الله على قومٍ» ) ، ( «اشتد» ) يعني عَظُمَ ( «غضب الله على قومٍ» ) نَكَّرَ فيصدق على كل من اتصف بتلك الْمَزِيَّة أو بذلك الوصف، ( «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) في هذه الجملة بعد جملةٍ دعائية منه - صلى الله عليه وسلم - تنبيهٌ على سبب لحوق شدة الغضب عليهم ولعنهم، وهو توسلهم بذلك إلى أن تَصِير أوثانًا تعبد. وفيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، ( «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) . وعرفنا المراد بكونها مساجد فيما مر معنا، وفيه دلالة على تحريم البناء على القبور وتحريم الصلاة عندها، وأنه من الكبائر لأنه اشتد غضب الباري جل وعلا، وهذا يدل على ماذا؟ على أن هذا الفعل ليس محرمًا فحسب، بل هو كبيرة من الكبائر، وقد روى أصحاب مالك رحمه الله تعالى عنه أنه كره أن يقول: زُرْتُ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعَلَّلَ وجه الكراهة بقوله: ( «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) . يعني استدل بهذا الحديث لئلا يقال قولًا فقط، لئلا يقال: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فكَرِهَ مالك رحمه الله تعالى أَدَبًا، فكره إضافة هذا اللفظ إلى القبر لئلا يقع التشبه بفعل أولئك سدًّا للذريعة، لأنه المطرد والمتعارف عليه أن قبور الأنبياء في الأمم السابقة قد أشركوا بها، حينئذٍ زيارتهم زيارة شركية بدعية، وليست زيارة سُنِّيَّة إن صح التعبير، حينئذٍ إذا أُطْلِقَ هذا اللفظ اشتبه الأمر، فيتبادر إلى الذهن ماذا؟ أن هذه الزيارة من نوع الزيارة التي تكون عند قبور الأنبياء، فقد كان في الأمم السابقة أنهم ماذا؟ أنهم بنوا عليها المساجد و ( «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) فدفعًا لهذا التشبه في اللفظ كره الإمام مالك رحمه الله تعالى ذلك، فكره إضافة هذا اللفظ إلى القبر لئلا يقع التشبه بفعل أولئك سدًّا للذريعة، وحسمًا للباب. ذَكَرَهُ الطبري في (( القرى ) ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومالك قد أدرك التابعين وهم أعلم الناس بهذه المسألة. فدل ذلك على أنه لم يكن معروفًا عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. يعني: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعرف، وإنما يقال: سَلَّمْتُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نحو ذلك من العبارات .. إلى أن قال: وقد ذكروا في أسباب كراهته لأن يقول: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن هذا اللفظ قد صار كثيرٌ من الناس يُريد به الزيارة البدعية، وهي قصد الميت لسؤاله ودعائه والرغبة إليه في قضاء الحوائج ونحو ذلك مما يفعله كثيرٌ من الناس، فهم يَعْنُونَ بلفظ الزيارة مثل هذا، وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة فكَرِهَ مالك أن يُتَكَلَّمَ بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد.