ولذلك مر معنا قاعدة أن باب المعتقد الألفاظ المجملة يُمْنَعُ منها (توكلت على الله وعليك) هذا يمنع، (استغثت بالله وبك) ، أو (ثم بك) هذا يُمْنَعُ لأن الألفاظ المجملة المحتملة للمعنيين قد تُفْهَم عند قوم بفهم وعند قوم آخرين بفهم آخر الأصل فيها المنع. ومن هنا مالك رحمه الله تعالى من فقهه قال: لا تقل زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. لأن هذه الزيارة متعلقة بقبر نبي من الأنبياء، ومعلوم عند من سبق أن زيارة قبور الأنبياء إنما هي زيارة شركية، مع دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «لا تجعل قبري وثنًا يعبد» ) ، إذًا أدبًا معه لئلا يُظن بأن الله لم يستجب له حينئذٍ نتجنب هذا اللفظ. قال هنا: فكره مالك أن يُتَكَلَّمَ بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد بخلاف الصلاة عليه والسلام، فإن ذلك مما أمر الله به، أما لفظ الزيارة في عموم القبور فلا يُفهم منها مثل هذا المعنى، ألا ترى إلى قوله: «فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» . مع زيارته لقبر أمه فإن هذا يتناول قبور الكفار. يعني البحث هنا في ماذا؟
في قبر النبي عليه الصلاة والسلام على جهة الخصوص، وأما سائر المسلمين مع عدا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا شك أنه يقال زُرْتَ قبر أمي، قبر أبي .. إلى آخره، فلا بأس به لأنه لا يتبادر لأن الزيارة تكون سنية وتكون بدعية وتكون شركية، وغالب المسلمين إنما تكون زيارتهم، الأصل فيه أنها سنية، وأما زيارة القبور الأنبياء فمما سبق من أولئك الأقوام بَيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اطرد فيهم اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد فدفعًا لذلك الاشتباه مُنِعَ منه لأنه صار لفظًا مجملًا، فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والاستغاثة به ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع، بخلاف ما إذا كان المزور معظمًا في الدين كالأنبياء والصالحين فإنه كثيرًا ما يُعْنَى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا وإن لم يكره ذلك في موضع آخر وليس فيه هذه المفسدة.
إذًا قول مالك هنا وكراهته إنما هي أدبًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفعًا للفظٍ مجمل يحتمل معاني ممنوعة، فمنع منه، وهذا خاص بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستعذْ إلا مما يخاف وقوعه.
وفيه إثبات صفة الغضب لله تعالى، وهي صفة حقيقية تليق بجلاله جل وعلا، وهذا محل وفاق بين أهل السنة والجماعة.
مناسبة الحديث للباب: أن الغلو في القبور يجعلها أوثانًا تُعبد، لأن ... النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» ) . وبين ذلك بقوله: ( «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) . يعني بين العلة لذلك.
ويستفاد من الحديث:
أولًا: أن الغلو في قبور الأنبياء يجعلها أوثانًا تعبد، الغلو هذا سبب، ثم يترتب عليه ماذا؟ أنها تُعبد من دون الله، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ربه أن يحمي قبره من ذلك.
ثانيًا: أن من الغلو في القبور اتخاذها مساجد، وهذا يؤدي إلى الشرك كما مر معنا.