فهرس الكتاب

الصفحة 987 من 2014

وعلى الثاني ففيه العموم كما قال: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] . والمراد عموم الأمة وإذا أراد العرب جاء اللفظ بمنهم كما قال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ} [الجمعة: 2] . يعني إذا جاء من أنفس {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} فالمراد به جنس البشرية، وإذا أراد أن يكون من العرب حينئذٍ يأتي التعبير بـ {مِّنْهُمْ} ، فقوله: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ترجعون معه إلى نفسٍ واحدةٍ لأنه وأنتم من أبٍ قريبٍ كما قال تعالى: عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: ... {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة: 129] . وهذا يقتضي مدحًا لنسب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من صميم العرب.

والحاصل يخبر تعالى عباده على سبيل الامتنان أنه بعث فيهم رسولًا عظيمًا أرسله إليهم من أنفسهم أي من جنسهم يرجعون معه إلى نفسٍ واحدةٍ وبلغتهم ولسانهم يعرفونه ويتحققون مكانه ويعلمون صدقه وأمانته ونصيحته وشفقته، وذلك أقرب وأسرع إلى فهم الْحُجّة وأبعد من اللجاجة، وفيه مدحٌ لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه من صميم العرب. قال جعفر للنجاشي: (إن الله بعث فينا رسولًا منّا) يعني من العرب، عَبَّر بـ (منَّا) نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته.

إذًا القولان محتملان والقول بالعموم أولى، لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على التعميم حينئذٍ يكون مقدمًا على غيره.

( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ) ، ( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا} ) (مَا) هذه ما نوعها؟ مصدرية ولا تكون موصولة، مصدرية، والمعنى شاقٌ عليه عنتكم ( {مَا عَنِتُّمْ} ) مصدرية وما دخلت عليه في تأويل مصدر عنتكم، والمعنى شاقٌ عليه عنتكم لكونه من جنسكم ومبعوثًا لهدايتكم، والعنت التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه أو بعذاب الآخرة بالنار أو بمجوعهما، قاله الشوكاني رحمه الله تعالى.

( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} ) يعني يصعب عليه يقال: عَزّ عليّ كذا صَعُبَ هكذا في القاموس عَزَّ عليّ كذا صَعُبَ ( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} ) أن يصْعُبُ أو صَعُبَ عليه مشقتكم، فمشقة الأمة تَصْعُبُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - سواءً كان يتعلق بالدنيا من عدم القبول حينئذٍ يأتي عليهم السيف، أو في الآخرة، أو بالمجموع. وهذا شاقٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم -. يقال: عَزّ عليّ كذا صَعُبَ، والمعنى يَصْعُبُ عليه ما يشق عليكم، ولهذا بُعِثَ بالحنفية السمحة، وما خُيِّرَ بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إِثْمًا، وسماحة الشريعة معلومةٌ متقررة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت