ويقف بجانب هذه النظرة الأصولية نظرة أخرى تقوم على"الكيفية"، تبحث في طبيعة المقيس عليه، من حيث الفصاحة، والقدم، ومن حيث وقوعه في الشعر أو في النثر.
فلا يقاس إلا على هذا الأثر الفصيح، الذي استوفى شروط القدم، أما لغة الشعر فيقاس عليها إذا كان النثر يعضدها، وكانت الظاهرة فيها مما لا يخالف العرف اللغوي العام. [1]
وهناك فريقان من علماء العربية:
فريق حاول قصر الناس على السماع، فلم يكتب لمذهبه البقاء لمخالفته طبائع الأشياء ولأن من غير المعقول أن يكون كله بمفرداته وتراكيبه واردا عن العرب، فالعرب إذا قالت: مثلا (كتب زيد) "فإنه يجوز أن يسند هذا الفعل إلى عمرو وبشر إلى مالا يدخل الحصر وإثبات مالا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال."
والفريق الثاني هم القياسيون، أهل القياس أصحاب مذهب"ماقيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ألا ترى أنه لم يُسمع اسم كل فاعل أو مفعول، وإنما سمع بعضها فقيس عليه غيره"،وإليهم يرجع الفضل في حياة اللغة الحياة النشيطة، فقد حافظوا عليها وتعهدوها فنمت وبسقت وأظلت فروعها [2] .
وقد اتفق القدماء على أن النحو"صناعة علمية"يعرف بها أحوال كلام العرب من جهة مايصح ويفسد في التأليف، ليعرف الصحيح من الفاسد. وحين عرف بعض القدماء النحو من الناحية الاصطلاحية ربطوه بما يمكن أن نسميه"القياس الاستنباطي"، يدلنا على ذلك قول ابن عصفور:"علم"
(1) أصول النحو العربي، 94 _ 96، و منهج أبي سعيد السيرافي في شرح كتاب سيبويه: الدكتور محمد عبدالمطلب البكاء، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ط ـ 1، 1990 م
(2) في أصول النحو: سعيد الأفغاني، المكتب الإسلامي، 1987 م ص 79