وقد قال في هذا الكتاب: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171] ، وقال أيضًا: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [المائدة: 110] ، وقال أيضًا: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] ، وقال في سورة التحريم: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] .
وسائر المسلمين يقولون: إن الكتاب كلام الله، ولا يكون كلامٌ إلا لحي ناطق، وهذه صفات جوهرية تجري مجرى الأسماء، وكل صفة منها غير الأخرى، والإله واحد لا يتبعض ولا يتجزأ ..
والجواب من وجوه:
أحدها: أن تقول إن كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يكون إلا حقًّا وصدقًا، ولا يكون فيه شيء يعلم بطلانه بصريح العقل -وإن كان فيه ما يعجز العقل عن معرفته بدون إخبار الأنبياء- ولا يكون كلام النبي الذي يخبر به مناقضًا لكلامه في موضع آخر، ولا لكلام سائر الأنبياء؛ بل كل ما أخبرت به الأنبياء فهو حق وصدق يصدق بعضه بعضًا.
وقد أوجب الله علينا أن نؤمن بكل ما أخبروا به، وحكم بكفر من آمن ببعض ذلك وكفر ببعضه، فما عُلِمَ بصريح العقل لا يناقض ما علم بالنقل الصحيح عن الأنبياء، وما علم بالنقل الصحيح عن بعضهم لا يناقض ما علم بالنقل الصحيح عن غيره، ولكن قد يختلف بعض الشرع والمناهج في الأمر والنهي.
فأمَّا ما يخبرون به عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك .. فلا يجوز أن يناقض بعضه بعضًا.