فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 656

والمقصود من قوله: {لم يكد يراها} إما أنه يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة وهو الأظهر، فإذا كان لا يُقارب رؤيتها فكيف يراها .. ؟

فَشَبَّه سبحانه أعمالهم «أولًا» في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خداع، يخدع رائيه من بعيد، فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمله ورجاه ..

وشبهها «ثانيًا» في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم الأمواج، الذي قد غشيه السحاب من فوقه ..

فيا له تشبيهًا ما أبدعه، وأشد مطابقته بحال أهل البدع والضلال، وحال من عبد الله سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسوله وأنزل به كتابه، وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح، ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم، وكل واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم، فهي سراب لا حاصل لها، وظلمات لا نور فيها، وهذا عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة، فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد، ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا والآخرة [1] .

وبذلك يكون الإيمان بتوافق وفاعلية المعرفة الصحيحة مع الطبيعة الإنسانية الصحيحة.

والتوافق بين المعرفة الإلهية والطبيعة الإنسانية الصحيحة يتم من حيث القضايا العقدية ذاتها .. ومن حيث أسلوب طرح هذه القضايا ..

ولنضرب لذلك مثلًا ..

ففي جانب إثبات القدرة الإلهية على البعث كان الإثبات من خلال حقيقة عقلية تقول: إن إعادة الشيء أهون من بدايته: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الروم: 27] .

(1) بتصرف: من «اجتماع الجيوش الإسلامية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت