الحق يتقلب في خمس ظلمات .. فقوله ظُلمَة، وعمله ظُلمَة، ومدخله ظُلمَة، ومخرجه ظُلمَة، ومصيره إلى الظُلمَة، وقلبه مُظلم، ووجهه مُظلم، وكلامه مُظلم، وحاله مُظلم.
وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدًا من النور .. جَدَّ في الهرب منه، وكاد نور الوحي يخطف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى، كما قيل:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه
ووافقها قطع من الليل مظلم
فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ونخالة الأذهان .. جال ومال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع
فإذا طلع نور الوحي وشمس الرسالة .. انحجر في حجرة الحشرات .. !
وأما قوله تعالى: {في بحر لجي} «اللُّجِّيُّ» العميق، منسوب إلى لجة البحر وهو معظمه ..
وقوله تعالى: {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب} تصوير لحال هذا المُعرض عن وحيه، فشبَّه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر، وأنها أمواج بعضها فوق بعض ..
والضمير الأول في قوله {يغشاه} راجعٌ إلى البحر، والضمير الثاني في قوله {من فوقه} عائدٌ إلى الموج، ثم إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب ..
فهاهنا ظلمات: ظلمة البحر اللجي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله .. إذا أخرج من في هذا البحر يده لم يكد يراها.