فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 656

يقول الإمام ابن تيمية مناقشًا حقيقة الأقنوم الثالث: (ثم ذكرتم في عقيدة أمانتكم أنكم: تؤمنون بروح القدس الرب المحيي. فأثبتُّم ربًّا ثالثًا ..

قلتم: المنبثق من الآب.

والانبثاق: الانفجار، كالاندفاق والانصباب ونحو ذلك، يقال: بَثَقَ السيل موضع كذا يبثقه بثقًا .. أي: خرقه وشقَّه، فانبثق: أي انفجر، فاقتضى ذلك أن يكون هذا الرب المحيي انفجر من الأب واندفق منه.

ثم قلتم: هو مع الأب مسجود له وممجد ناطق في الأنبياء.

فجعلتموه مع الأب مسجودًا له، فأثبتُّم إلهًا ثالثًا يُسجَد له، ومعلوم أن حياة الله التي هي صفته ليست منبثقة منه، بل هي قائمة به، لا تخرج عنه ألبتة، وهي صفة لازمة له لا تتعلق بغيره، فإن العلم يتعلق بالمعلومات، والقدرة بالمقدورات، والتكليم بالمخاطبين، بخلاف التكلم فإنه صفة لازمة؛ يقال: علم الله كذا، وقدر الله على كل شيء، وكلم الله موسى.

وأما الحياة فاللفظ الدال عليها لازمٌ لا يتعلق بغير الحي، يقال: حيا يحيا حياة، ولا يقال: حيا كذا ولا بكذا، وإنما يقال: أحيا كذا، والإحياء فعلٌ غير كونه حيا.

ثم جعلتم روح القدس هذا ناطقًا في الأنبياء عليهم السلام، وحياة الله صفة قائمة به لا تحل في غيره، وروح القدس الذي تكون في الأنبياء والصالحين ليس هو حياة الله القائمة به، ولو كان روح القدس الذي في الأنبياء هو أحد الأقانيم الثلاثة لكان كل من الأنبياء إلها معبودًا قد اتحد ناسوته باللاهوت كالمسيح عندكم .. !

فإن المسيح لما اتحد به أحد الأقانيم صار ناسوتًا ولاهوتًا، فإذا كان روح القدس الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة ناطقًا في الأنبياء .. كان كل منهم فيه لاهوت وناسوت كالمسيح، وأنتم لا تقرون بالحلول والاتحاد إلا للمسيح وحده .. مع إثباتكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت