قال ابن عباس: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} : أشككهم في آخرتهم .. (حيث لا يؤمن النصارى بالبعث) {ومن خلفهم} : أرغبهم في دنياهم .. (حيث كانت الدنيا العامل الأساسي في ضلالهم كما سيتبين في عوامل التحريف) [1] {وعن أيمانهم} : أشَبِّه عليهم أمر دينهم .. (وهو الأمر الذي ينطبق أول ما ينطبق على ضلال النصارى في دينهم) {وعن شمائلهم} : أُشهِّي لهم المعاصي .. {ولا تجد أكثرهم شاكرين} : مُوَحِّدين.
وقول إبليس هذا إنما كان عن ظنٍّ منه وتوهُّم؛ لكنه نجح في تحقيقه في الواقع، كما قال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين* وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ} [سبأ: 20، 21]
ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: (( اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي ) ) [2] .
تفسير العلاقة بين إبليس والصليب .. لا يكون إلا بفهم معنى الصليب ..
الصليب وثن .. هذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
عن عَدِيّ بن حاتم، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: (( يا عدي .. اطرح هذا الوثن من عنقك! ) )قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قال: قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: (( أليس يُحرِّمُون ما أحل الله؛ فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله؛ فتحلونه؟! ) )قال: قلت: بلى. قال: (( فتلك
(1) في فصل لاحق ضمن هذا الباب.
(2) مسند أحمد (4785) .