الفصل الرابع
طبيعة التحريف
لقد كان التحريف خطة منهجية لهدم الدين من أساسه؛ لذلك أصاب العقيدة في جذورها، وأصاب الشريعة في أركانها ..
ففي «العقيدة» ضيع التصور عن ذات الله، ومشيئته، وتفرده بالمغفرة، وتفرده بملك مقاليد السموات والأرض ..
وفي «الشريعة» ضيع المضامين الأساسية للحلال والحرام ..
أولا: العقيدة
«المشيئة» لقد كان ادعاء الولد نقضًا لأخص خصائص الألوهية وهي مشيئة الله الواحدة، ولذلك ركَّز القرآن على إثبات مشيئة واحدة فاعلة في الوجود، مما يدل على الذات المتفردة بالمشيئة ..
وليس أدل على هذا المعنى من رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجل الذي قال له: (( ما شاء الله وشئت ) )بقوله: (( أجعلتني لله ندًّا .. قل: ما شاء الله وحده ) ) [1] .
وكذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهودي: عن قتيلة بن صيفي الجهيمية قالت: أتى حبر من الأحبار لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون قال: (( سبحان الله .. ! وما ذاك؟! ) )قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة! قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم قال: إنه قد قال: (( فمن حلف فليحلف برب الكعبة ) )قال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندًّا قال: (( سبحان الله .. ! وما ذاك؟! ) )قال: تقولون ما شاء الله وشئت، قال فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم قال: إنه قد قال (( فمن قال ما شاء الله فليفصل بينهما ثم شئت ) ).
ومن هنا كان التناقض الهائل في قضية التثليث هي ادعاء أن كل أقنوم من الأقانيم له مشيئته، ويعتبرون تعدد المشيئة هي الشاهد الأساسي على تعدد الأقانيم؛ لأن الأقنوم يعني الذات المستقلة، والمشيئة هي دليل الاستقلال.
ومن هنا كان الربط بين قضية عيسى ابن مريم والمشيئة الإلهية الواحدة، من
(1) أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن وابن ماجه.