خلال إثباتها لله الواحد، فجاءت سورة آل عمران لإثبات دلالة المشيئة الواحدة لله على وحدانية ذاته عز وجل، من خلال معنى «ما كان» ، و «ما يكون» ، و «ما سيكون» ، و «ما لم يكن إذا كان كيف يكون» ، بينما كان المعنى الأساسي لسورة مريم هو «ما سيكون» .
ومن هنا كان الخلل في الإيمان بالقدر عند النصارى خطيرًا وفادحًا قال أبو ذر رضي الله عنه: قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا ..
فنزلت هذه الآيات إلى قوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] ..
فقالوا: يا محمد يَكتُب علينا الذنب ويعذبنا؟!
فقال صلى الله عليه وسلم: (( أنتم خصماء الله يوم القيامة ) ).
والذي عليه المسلمون أن الله سبحانه قدر الأشياء؛ أي: عَلِمَ مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره؛ كما نص عليه القران والسنة.
ولذلك جاء تفسير قول الله عز وجل: {ومن يؤمن بالله يهدي قلبه} يؤمن بقدر الله.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا) ، فكان الإيمان بالله ربًّا هو الإيمان بقدر الله عز وجل.
ومن هنا كان تحريف عقيدة الإيمان بالقدر عند النصارى هدمٌ للإيمان من أساسه، وكان شرط دخول النصارى في الإسلام الإيمان بالقدر، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم -الذي كان نصرانيًّا-: (يا عديّ بن حاتم .. أسلم تسلم؛ تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها؛ خيرها وشرها، حلوها ومرها) .