الفصل الثالث
الخصائص الربانية للدين في الواقع والأمة
وكما كانت الخصائص الربانية للدين في التلقي والمعرفة من خلال العقل والقلب والفطرة ..
وكانت الخصائص الربانية للدين في المضمون والوحي من خلال العقيدة والأحكام ..
تأتي الخصائص الربانية للدين في واقع الأمة من خلال معنى الحكمة .. وهي أخص خصائص الربانية في واقع الدين؛ لذا كان لا بد من تحديد المقصود بـ «الواقع» في هذا السياق .. وهو دلالته على الحق كدلالة النصوص التي تقوم بها الحجة في إثبات هذا الحق، وذلك من خلال شواهد الصواب في الواقع.
وقد كانت هذه الشواهد معروفة عند النصارى، حتى إن هرقل ملك الروم قد عرف بها صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما سأل أبا سفيان عن شواهد واقعية محددة، ثم شهد بعدها بنبوته صلى الله عليه وسلم.
وكانت هذه الشواهد كافية عنده دون أن يناقش نصًّا قرآنيًّا واحدًا، وهو ما يثبت قيمة الواقع في إثبات صواب المنهج.
فقد روى عبد الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ [1] فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء )) [2] ، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه ..
فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا ..
فقال: أدنوه مني، وقَرِّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ..
(1) مادَّ: أي أعطاه مدة للهدنة وعدم القتال، وهي فترة صلح الحديبية.
(2) إيلياء: اسم مدينة القدس قبل الفتح الإسلامي.